
محمد العجيلي
الثقافة ليست زينة تُعلَّق على جدار المدينة، وليست نشاطًا ثانويًا يأتي بعد الخبز والسلطة والطرق. الثقافة هي الوعي الذي يجعل المجتمع يعرف نفسه، ويقرأ تاريخه، ويفهم مكانه في الزمن. ومن دون الثقافة تتحول المدينة إلى تجمع من الأبنية، أما معها فإنها تصبح كيانًا حيًا له ذاكرة وروح واتجاه. وبهذا المعنى، فإن الحديث عن الثقافة في واسط هو حديث عن جوهر المدينة، لا عن هامشها.
واسط مدينة لا يمكن فهمها بمعزل عن الناس الذين عاشوا فيها، وعن الحكايات التي صاغت وجدانها، وعن التراكم الطويل الذي جعلها أكثر من موقع على الخريطة. فالمدينة التي تعيش قرونًا لا تبقى بالحجارة وحدها، بل تبقى بما تنتجه من معاني، وما تحفظه من قيم، وما تخلقه من روابط بين الأجيال. ولذلك فإن الثقافة في واسط هي القوة التي تربط الماضي بالحاضر، وتمنع الذاكرة من الانقطاع، وتبقي المجتمع متصلًا بجذوره مهما تبدلت الظروف.
والثقافة، في عمقها، ليست رفاهًا للنخبة. إنها حاجة اجتماعية مثلها مثل التعليم والعمل والأمان. لأن الإنسان الذي لا يقرأ تاريخه، ولا يعرف تراثه، ولا يسمع صوت مدينته، يصبح معرضًا للاغتراب داخل المكان نفسه. أما المجتمع الذي يمتلك ثقافة حيّة، فإنه يكون أكثر قدرة على مواجهة التشتت والفراغ، وأكثر استعدادًا لبناء مستقبل منسجم مع ذاكرته. ومن هنا تأتي أهمية الثقافة في واسط بوصفها وسيلة لحماية المجتمع من النسيان ومن الانقطاع عن الذات.
ولقد عرفت واسط عبر تاريخها أشكالًا متعددة من الحياة الفكرية والاجتماعية. فهي لم تكن مجرد مركز إداري أو محطة اقتصادية، بل كانت أيضًا فضاءً لتداول المعرفة، وللحديث، وللتعليم، وللأسئلة التي تفتح أفق الإنسان على ما هو أوسع من يومه المباشر. والمدن التي تُنتج المعرفة لا تبقى أسيرة لحاضرها، لأنها تخلق داخلها طاقة نقدية تمنع الجمود وتدفع إلى التجدد. وهذه الطاقة هي ما تحتاجه واسط اليوم كما احتاجته في الأمس.
إن الثقافة في واسط تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تحفظ التراث، ومن جهة أخرى تفتح الطريق أمام التغيير. فالثقافة الحقيقية لا تعني تمجيد الماضي على نحو جامد، بل تعني فهمه واستلهامه وتحويله إلى قوة حية. ولهذا فإن الاهتمام بالتراث الواسطي لا يكون باستعراض الأسماء والمباني فقط، بل بقراءة المعاني التي أنتجها الناس في حياتهم اليومية، وبفهم كيف تشكلت قيم التعاون، والكرم، والمعرفة، والانتماء، والصبر، عبر الزمن الطويل.
ومن أهم ما تمنحه الثقافة للمجتمع أنها تصنع الوعي الجمعي. فالوعي لا يولد من الفراغ، بل من التراكم: من الكتب، ومن الحكايات، ومن المجالس، ومن الشعر، ومن الفنون، ومن الذاكرة الشعبية، ومن التجربة المعاشة. وحين يمتلك المجتمع هذا الوعي، يصبح قادرًا على أن يرى نفسه بوضوح، وأن يميز بين ما يبنيه وما يهدمه، وبين ما يحفظه وما يضيعه. وهذا بالضبط ما تحتاجه واسط في كل مرحلة، لأن المدينة التي تعرف نفسها جيدًا تكون أكثر قوة في مواجهة التحولات.
ولا تقتصر الثقافة على النخبة المتعلمة، بل تشمل كل الناس. فالأم التي تنقل القيم إلى أبنائها تمارس فعلًا ثقافيًا، والحرفي الذي يورث مهنته ومعرفته يفعل الشيء نفسه، والمزارع الذي يحافظ على علاقة الأرض بالإنسان يشارك في صناعة الذاكرة، والمعلم الذي يزرع السؤال في ذهن الطالب يساهم في بناء المستقبل. بهذا المعنى، الثقافة في واسط ليست ملكًا لفئة محددة، بل هي نسيج مشترك يصنع المجتمع كله، كلٌّ بحسب موقعه ودوره.
كما أن الثقافة تمنح المدينة القدرة على مقاومة التهميش. فالمكان الذي يُنظر إليه فقط من زاوية اقتصادية أو إدارية قد يُختزل بسهولة، أما المكان الذي يملك إنتاجًا ثقافيًا فإنه يفرض حضوره من خلال المعنى. والمعنى أقوى من الصمت، وأبقى من القرار العابر. لذلك فإن واسط، لكي تستعيد مكانتها الحقيقية، تحتاج إلى أن تُقرأ ثقافيًا كما تُقرأ تاريخيًا وجغرافيًا. لأنها مدينة لا تنتهي عند حدودها، بل تمتد في الذاكرة واللغة والتجربة الاجتماعية.
ومن هنا يمكن القول إن الثقافة في واسط ليست موضوعًا منفصلًا عن الحياة، بل هي الحياة نفسها حين تعي ذاتها. هي ما يجعل المجتمع قادرًا على النظر إلى ماضيه من دون خضوع، وإلى حاضره من دون انبهار، وإلى مستقبله من دون خوف. وهي أيضًا ما يجعل المدينة أكثر من مكان للسكن؛ يجعلها بيتًا للمعنى، ومجالًا للذاكرة، وساحةً لتشكّل الإنسان.
إن مستقبل واسط لا يُبنى بالخرسانة وحدها، بل بالوعي. ولا يُصان بالحدود الإدارية وحدها، بل بالثقافة التي تحفظ الشخصية المحلية وتمنحها القدرة على النمو. وإذا كانت المدن تُقاس بحجم بناياتها، فإنها تُحكم بقوة ثقافتها. وواسط، بتاريخها وناسها وذاكرتها، تستحق ثقافة تليق بها، ثقافة تحمي الإنسان فيها وتفتح له بابًا أوسع لفهم نفسه والعالم.


