
بسام البديري
ليس اليُتم فقدان أبٍ أو أمّ فحسب بل هو اختبار قاسٍ لإنسانية العالم.
هو تلكَ اللحظة التي يُنتزع فيها الطفل من دفء الاسم ومن نداء المساء ومن يدٍ كانت تقول
لا تخف..
ومنذ تلك اللحظة لا يكبر اليتيم وحده بل يكبر السؤال..
من نحن حين يواجهنا الضعفاء؟
في الأدب العالمي لم يكن اليتيم شخصية هامشية بل كان دائماً مركز الضوء.
تشارلز ديكنز جعل من أوليفر تويست صرخة ضد قسوة المجتمع الصناعي حيث لم يكن الجوع وحده ما ينهش الأطفال بل الإهمال المقنّع بالقانون.
أما فيكتور هوغو ففي البؤساء لم يكتب عن جان فالجان وحده بل عن كل طفل تُرك ليصنع أخلاقه في الشارع بلا بوصلة ولا عدالة.
اليتيم في الرواية ليس حالة فردية بل نتاج خلل اجتماعي..
حين تعجز الدولة وحين تصمت القيم وحين تتحول الرعاية إلى أرقام يولد اليُتم من جديد حتى بوجود الأبوين.
ولهذا قال دوستويفسكي
(يمكنك أن تقيس أخلاق مجتمعٍ ما من طريقة تعامله مع أضعف أفراده..)
وفي عالمنا المعاصر لم يعد اليُتم مرتبطاً بالحروب فقط بل بالفقر والهجرة القسرية والانهيارات الأخلاقية وحتى بالمدن الحديثة التي تبتلع الإنسان وهو حي.
كم طفل اليوم يملك شهادة ميلاد لكنه لا يملك قصة أمان؟
الأدب هنا لا يواسي فقط بل يفضح..
من عدّاء الطائرة الورقية لخالد حسيني حيث اليُتم وجهٌ آخر للذنب الجمعي..
إلى أعمال غابرييل غارسيا ماركيز التي جعلت من الوحدة قدراً متوارثاً
نكتشف أن الطفل اليتيم ليس ضحية الماضي بل ضحية الصمت المستمر.
لكن ورغم كل هذا لم يُقدَّم اليتيم في الأدب بوصفه كائناً مكسوراً فقط بل بوصفه مشروع مقاومة..
كثير من أبطال الروايات العظيمة خرجوا من اليُتم لأن الحرمان يصنع وعياً حاداً وحساسية أخلاقية عالية وقدرة نادرة على رؤية ما لا يراه الآخرون.
السؤال الحقيقي ليس كيف نرثي الأيتام؟
بل: كيف نعيد بناء عالمٍ لا يصنعهم؟
المقال الصحفي حين يقترب من الأدب لا يكتفي بوصف الألم بل يحوّله إلى مسؤولية.
والكتابة عن اليُتم ليست عملاً خيرياً بل واجب حضاري.
لأن الطفل الذي نتركه اليوم في الظل سيعود غداً ليسألنا جميعاً
(أين كنتم حين كنتُ بحاجة إلى إنسان؟)


