
مروة الطائي
«أعطني خبزاً ومسرحاً أعطك شعباً مثقفاً». هذه المقولة، التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها تضع «الخبز» (المادة) و»المسرح» (الروح) في مرتبة واحدة، تحمل في طياتها رؤية عميقة للعلاقة الجدلية بين تلبية الاحتياجات الأساسية وبناء الوعي النقدي. فالشعوب التي لا تملك سوى الخبز تعيش في حالة من الجمود البيولوجي، والشعوب التي لا تملك سوى المسرح تعيش في برج عاجي منفصل عن الواقع. لكن الحقيقة الأعمق هي أن الخبز وحده لا يصنع شعباً واعياً، والمسرح وحده لا يطعم جائعاً. التوازن بينهما هو سر تقدم الأمم.
الثقافة كمنظومة – تجاوز النظرة الاختزالية
الثقافة ليست مجرد «فنون جميلة» أو «ترفيه» أو «مواكب فلكلورية». في التحليل السوسيولوجي المعاصر، تُعرّف الثقافة بأنها النسيج الرمزي للمجتمع، الذي يشمل القيم، والمعتقدات، والممارسات، وأشكال التعبير التي تنظم علاقات الأفراد مع بعضهم ومع السلطة. لذلك، فإن تطوير ثقافة الإنسان ليس ترفاً، بل هو الأساس الذي يقوم عليه بناء كل المفردات الإنسانية: الاقتصاد، والسياسة، والقانون، والعلاقات الاجتماعية.
عندما نتحدث عن «ثقافة الشعب»، فإننا نتحدث عن مجموع الآليات التي يدرك من خلالها هذا الشعب واقعه، ويُفسّر ماضيه، ويتخيل مستقبله. ومن هنا تأتي أهمية وجود قيادة سياسية واعية، لا تنظر إلى الثقافة باعتبارها «ملهاة» أو «دعاية»، بل كاستثمار استراتيجي في الوعي الجمعي.
المسرح كمرآة للنفس الجمعية – قراءة في الوظائف الاجتماعية للمسرح
المسرح، بصفته فناً جماعياً حياً، يحتل موقعاً فريداً بين الفنون. إنه المرآة الأكثر صدقاً للنفس الجمعية للأمة. فعلى خشبة المسرح، تتجسد الصراعات، وتُطرح الأسئلة الوجودية والسياسية، وتُناقش القضايا المحرمة في العلن. وظائف المسرح تتجاوز الترفيه إلى:
1. النقد الاجتماعي والسياسي: المسرح الجاد هو مساحة مسموحة (أو غير مسموحة في الأنظمة القمعية) لمناقشة الفساد، والظلم، والتفاوت الطبقي، والقمع السياسي. إنه بديل سلمي عن العنف.
2. التنفيس الجماعي: في المجتمعات المكبوتة، يقدم المسرح متنفساً للطاقات المتراكمة من الغضب والإحباط. بدون هذا المتنفس، تنفجر هذه الطاقات على شكل احتجاجات عنيفة أو تطرف دموي.
3. بناء الهوية والذاكرة: يحفظ المسرح الحكايات الشعبية، والتاريخ غير الرسمي، وأصوات المهمشين. إنه مقاومة للنسيان في عصر العولمة والتوحيد الثقافي.
4. ترسيخ قيم التسامح والتعايش: المسرح، بطبيعته، يقوم على التعاون بين أفراد من خلفيات مختلفة (ممثلين، تقنيين، مؤلفين، مخرجين). هذه التجربة الجماعية تعلم الممارسة العملية للتسامح واحترام الاختلاف.
عندما يغيب المسرح – تحليل لحالة الفراغ الثقافي
غياب المسرح الجاد – أو تحويله إلى مجرد «مسرح هزلي» أو «استعراضات دعائية» – ليس ظاهرة بريئة. إنه أحد أعراض مرض سياسي عميق، وهو أيضاً سبب في تفاقم هذا المرض. عندما تغيب مساحة النقد والمواجهة السلمية للأفكار، يحدث جمود ثقافي وسياسي وتصبح الأفكار السائدة غير قابلة للنقاش، ويتحول المجتمع إلى كتلة جامدة لا تقبل التجديد. وسيصعد الخطاب الطائفي والمذهبي والفراغ الثقافي يملؤه خطاب الكراهية البسيط الذي يقدم تفسيرات أحادية للواقع. وايضاً ستنتشر هشاشة الوعي النقدي ويصبح المواطن فريسة سهلة للدعاية والتضليل الإعلامي، لأنه لم يمارس منذ صغره فن التساؤل والتفكيك. وأخيراً سيتم تكريس دور المرأة التقليدي في غياب مسرح يعبر عن قضايا المرأة، يتم تهميش صوتها، أو استغلالها بشكل صوري.
عانى العراق لعقود من تهميش المسرح، بدءاً من عهد النظام السابق الذي كان يستخدم المسرح كأداة دعائية، مروراً بفترة الاحتلال والعنف الطائفي، وصولاً إلى اليوم حيث يعاني المسرح العراقي من غياب التمويل، وتراجع الجمهور، وهجرة الكفاءات. لكن هناك تجارب مشرقة مثل مسرح «الفرات» في النجف، ومسرح «الربع الخالي» في بغداد، التي تحاول الصمود رغم كل الصعاب. هذه التجارب تحتاج إلى دعم حقيقي، لا إلى تصفيق إعلامي مؤقت.
المرأة والمسرح – حالة خاصة من التحرر
أن «المسرح يؤمن بأن مساهمة المرأة في الأعمال الفنية هي حقها المشروع». هذه النقطة تستحق توسيعاً. المرأة في المسرح ليست مجرد ممثلة أو مؤلفة، بل هي رمز للصوت المهمش الذي يبحث عن فضاء للتعبير.
تاريخ المسرح العالمي مليء بنساء غيّرن وجه الفن: من سافو في اليونان القديمة، إلى برشت وأسلوبها الملحمي، إلى حنا آرندت التي كتبت عن المسرح كفضاء سياسي. في العالم العربي، نجد أسماء مثل سميحة أيوب، ونهاد صليحة، وفاطمة رشدي، اللواتي كسرن المحرمات وفتحن الطريق لأجيال.
هناك خطر من «استغلال» المرأة في المسرح كأداة لتحقيق أغراض سياسية أو تجارية. المسرح الذي يكرس الصور النمطية عن المرأة (كالمرأة المغوية أو الضحية الأبدية) ليس مسرحاً تحررياً. المسرح التحرري الحقيقي هو الذي يمنح المرأة أدواتها للتعبير عن ذاتها، دون وصاية من أحد، ودون تحويلها إلى «دمية» على خشبة السلطة أو على منصات التواصل الاجتماعي. الثقافة ليست زينة بل ضرورة وجودية العراق، بلد الحضارات الأولى، بلد الشعر والغناء والمقام والمسرح، يستحق أن يكون نموذجاً في المنطقة لنهضة ثقافية حقيقية. هذه النهضة لا تأتي بقرارات بيروقراطية، ولا بمنح صورية، ولا باستضافة فنانين للتصوير مع المسؤولين. تأتي بإرادة سياسية حقيقية تؤمن بأن الوعي هو السلاح الأنجع ضد التخلف والتطرف والفساد. تأتي عندما ندرك جميعاً أن الخبز ضروري للجسد، والمسرح ضروري للروح، والمجتمع السليم هو الذي يغذي كليهما دون بخس أحدهما لحساب الآخر. وإذا أردت أن تعرف مستقبل أمة، فانظر إلى مسرحها: إن كان حياً ناقداً حراً، فبشرها بالمستقبل. وإن كان ميتاً أو أداة بيد السلطان، فانعها قبل أن تموت.


