
قصة قصيرة – 1
تأليف محمد الامارة
المقدمة
تناثرت قصصي القصيرة هنا وهناك، دون أن تتاح لي الفرصة لجمعها في مجموعة قصصية وتُطبع للجمهور. فقد قذفت بي أمواج الحياة بين تياراتها العاتية التي أنهكتني، وقوّضت أدواتي التي كنت أستعين بها على تدوين أفكاري التي تراودني أو التي أستلهمها من ظروف الحياة العامة. وبعد كل هذه السنين، ما زالت هذه الأمواج العاتية لا تترك سفينتي لتركن إلى مرفأ آمن، أستريح به من تعبي كل هذا العمر الطويل. قدري أن أكون هكذا. لماذا؟ لا أعرف!
لذا قررت أن أُدوّن ما يجول بخاطري على الورق، بعد أن كنت أمني النفس بأن أنقل كل أفكاري وخواطري وقصصي هذه إلى الشاشة الذهبية السينمائية. لكن (تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن). يطول شرح كل ما أردتُه من أحداث لسوء حظي العاثر.
فالناس تحصل على ما تريد بجهدٍ بسيط، أما أنا فعلىَّ أن أبذل جهداً مضاعفاً، عشرات المرات أو حتى مئات المرات ربما، لكي أحصل على أقل ما تمنيت.
هل للأبراج الفلكية دخل في الموضوع كما يقولون، أم هي إرادة الله سبحانه وتعالى أن أتعب وأُعاني أكثر من باقي البشر؟ فلم يضحك لي الحظ أبداً، ولا أعرف معنى من يقال عنه: “حالفه الحظ”.
المؤلف
محمد الأمارة
البداية
المكان مظلم تماماً في الغرفة التي يطل شباكها على فرع الزقاق في أحياء الشواكة.
(أمل، امرأة أرملة في الثلاثين من عمرها) ترفع عن كاهلها غطاء فراش سريرها عند سماع أذان الفجر الذي يطرق سمعها، وهي تنبري برأسها من موضعه وتنهض من رقودها بهمة وبابتسامة ملؤها السرور. ثم تتقدم نحو منضدة المرايا وتقف أمامها، مرتدية ثوباً جميلاً بألوان زاهية، كانت قد ارتدته قبل نومها وبقيت فيه نائمة تحت غطاء الفراش. تبعثر شعرها على كتفيها، مرة هنا ومرة هناك، وهي تمسك المشط وتمرره يميناً ويساراً، كأنما تعزف لحناً بأوتار شعرها الحريري. ثم تلتفت بتثاقل نحو باب غرفتها، وتتحرك باتجاهه وهي تلامس أطراف الأشياء بطرف أصابعها العلوية والسفلية. ترفع وسادتها من على السرير وتحضنها وتراقصها بفرحة، تجوب بها أطراف الغرفة كفراشة تطير بين أغصان غابة مليئة بالورود الزاهية، مع حلقة من الجنيات الجميلات التي ترافقها في طيرانها معاً في مطاردة بينهما، مع سرب أزهار متطاير بينهما يتقاذفونه فيما بينهم للمزاح والتسلية.
تقترب (أمل) من صورة معلقة قد غطاها الغبار، بشريط أسود يعلوها من الجانب، لرجل متوفٍ بلحية قد استشرى فيها الشيب. تتوقف عندها. (تتوقف موسيقى النشوة بين طيات قلبها، وتبدأ موسيقى الخوف عندها). تسقط الوسادة من يد أمل، وتستسلم لمشهد الصورة ونظرات الرجل الذي يتوسطها، وهو ينظر إليها بشيء من العتب.
(تستمر موسيقى الخوف بداخلها وتزداد). تتراجع (أمل) إلى الخلف ببطء شديد، تريد الابتعاد عن الصورة. تنظر يميناً ويساراً، كأنما أحدهم يمسك بها وتريد الابتعاد عنه والإفلات من يديه التي تمسك بها. تحاول جاهدة وبقوة، تبذل جهداً تعاني فيه وتجده صعباً. هنا تصرخ بقوة وهي تجلس على الأرض مستسلمة لكل الأوجاع والارهاصات التي هزت جسدها كإعصار عنيف مدمر، قد دمر كل من هو في طريقه. صرخت:
أمل: كفى… كفى…
نهضت من جديد.
أمل: متى سينتهي كل هذا؟… متى سينتهي كل هذا؟ الكوابيس تطاردني في منامي ويقظتي… ما كل هذا الضعف؟ الضعف… الضعف… كل ما تملكه النساء هو الضعف، بينما الرجال يمتلكون الجبروت والقوة، يمتلكون السلطان والمال والجاه. لقد سئمتُ أنا من كل ذلك… أريد أن أمتلك القوة، أريد أن يكون لي الجاه، أريد أن أمتلك القوة، أريد أن أكون سلطانة.
تضحك (أمل) مقهقهةً.
أمل: وكيف لي أن أصبح سلطانة بلا سلطان؟
تصرخ (أمل) بصوت أعلى يدوي في المكان.
أمل: وأنا لا أقوى على كبح جماح كوابيس تراودني ساعةً بعد ساعة، لحظةً بعد لحظة. قطعٌ ممزقة، قطعٌ مشوهة، منها صغيرة ومنها كبيرة. أشعر بدوار ينتابني وغثيان يقطع أنفاسي اللاهثة. متى ينتهي كل هذا؟ سئمتُ استغاثاتي ولوعة روحي المنهكة من مطاردة أشباحٍ ترهب إنسانيتي وطيبتي. فهل أتجرد منها وأتحول إلى شبح مثلهم، بأشكالهم المرعبة المخيفة، وأتجرع الشر وأنا لا أستساغه منذ أن عرفت أني سأولد في هذه الحياة البائسة؟
صوت من بعيد يأتي يوقظها من سرد كوابيسها مع قرينها. تسمع صوت المؤذن وهو يُسلم ويُسبح في نهاية الصلاة من مكبر صوت المسجد القريب. تمسح (أمل) دموع عينيها.
أمل: هاه… لقد اقترب الموعد.
تتحرك نحو منضدة المرآة، ترتب شعرها من جديد وتبلله من دموعها وتمشطه، تضع أحمر الشفاه ويدها ترتجف، لكنها أخيراً تستطيع أن تسيطر على يدها وتتوقف عن الارتجاف.
أمل: سأضع أحمر الشفاه هذا، فإنه نوع فاخر قد نزل مؤخراً في السوق.
تتحرك، ترتب السرير، وتعید الوسادة إلى مكانها. تذهب نحو صورة زوجها السابق، ترفع جزءاً من الشرشف وهي تكلم صورة زوجها السابق المتوفى.
أمل: عذراً يا أبا أولادي، فأنا أعرف أنك لا تريد أن تشاهد ما لا تحب. فأنا حريصة كما تعرف على لقمة أولادي، وإلا ما فعلتُ الذي فعلتُ إلا من أجلهم. وكل ما جرى هو بالشرع وبالحلال، كما أخبرني (عبد الحميد) وأنا لا أشك في ذلك، فهو رجل صالح من أتقياء الله. أم عندك شك أنت بذلك؟ على العموم سنتكلم بهذا الأمر لاحقاً.
تعيد (أمل) تغطية صورة زوجها المتوفى بالشرشف الأبيض. تتحرك إلى أقصى يمين الغرفة، وتخرج قارورة دواء صغيرة من بين ملابسها، وتنظر إليها جيداً تتفحصها.
أمل: سأضع في طعامه وشرابه بعضاً من هذا المحفز لأزيد من قوة فحولته التي بدأت تخمُل منه هذه الأيام. وهذا سيجعله سعيداً، ويجعلني أنا أيضاً سعيدة.
تضع بعض القطرات على طعام مجهز في صينية ومغطى بشرشف أبيض منذ ساعات الليل المتأخرة.
أمل: لأطمئن على الأطفال النائمين في غرفتهم.
تضع القارورة على المنضدة الخشبية، ثم تسقط القارورة على الأرض وهي في طريقها بدون قصد، ولا تعير لها بالاً. تطفئ أمل أضواء باقي أجزاء الدار وهي تتجه لغرفة الأطفال. تدخل غرفة ابنيها (عبد الله) وهو بعمر (تسع سنوات) و(مهيمن) وهو بعمر (سبع سنوات)، وتنظر إليهما وهما يغطّان في نوم عميق وهادئ. تقترب منهما وتمد يدها تمسد على جسديهما برفق ملائكي حنون.
ينفث عليهما سكون وطمأنينة تزيد من سكونهما، تحط بهما وتذهب بهما إلى أحلام وردية طفولية بريئة، ليس فيها ظلم ووحشية الناس وحقدهم بعضهم على بعض. براءتهم تجعلهم في سعادة مؤقتة تدوم مع دوام عيشهم بإنسانية، وتصطدم حين يصطدمون بواقع غير واقع الأحلام التي تراودهم الآن وسط كل هذه السكينة التي تغلفهم تحت رحمة (الله عز وجل)، وتحت حنين ورعاية أمهم المسكينة التي تعاني ضعف العيش المرير وسط عالم كبير تملؤه الحيتان التي تأكل كل سمكة صغيرة تجدها أمامها، قد ضلت الطريق ولا تملك الشراسة أو ما تدافع به عن نفسها.
تعود (أمل) إلى غرفتها وهي تستعد لمجيء زوجها الحالي الذي تزوجته مؤخراً. كان يمر من أمام بيتهم كل يوم بعد قضاء صلاة الفجر متوجهاً إلى بيته في الزقاق الذي يليهم. كانت (أمل) تصحو كل يوم وقت الفجر، تؤدي صلاتها على صوت أدائه للأذان العذب الذي يدخل إلى أساريرها ويعمرها بالإيمان (بالله تعالى)، ثم تجلس تذرف الدموع حينما تستذكر آلامها وحياتها البائسة. وبعد إكمالها الصلاة، تخرج تبيع بعض الخبز الحار أمام بيتها للمصلين الذين يرقّون لحالها، ويشترون منها الخبز لترتزق هي وأطفالها بعد وفاة زوجها السابق.
وكان مؤذن المسجد (عبد الحميد – 60 سنة) أكثر المتعاطفين معها، وهو يجزل لها العطاء فوق سعر الخبز بزيادة. فهو قد فضّل الله عليه من أوسع أبوابه، ويملك داراً كبيرة وسيارة له، ولأولاده الأربعة سياراتهم الخاصة بهم. وقد أبدى لها رغبته بالزواج منها لكي يكون كلامه معها والتقرب منها شرعياً ولا لبس فيه. فأصبحت الزوجة الثانية له (بالسر)، فقد عقد عليها وزوجها لنفسه حسب الشرع باعتباره أحد مؤذني المسجد، وهو أعرف الناس بهذه الأمور كما أخبرها.


