
آكار تاج الدين
يشهد الشرق الأوسط انسداداً تاريخياً ناتجاً عن فشل نموذج “الدولة القومية”، الذي تم استيراده وفرضه على بنية ديموغرافية واجتماعية شديدة التعقيد والتنوع. لقد أدى هذا النموذج إلى تكريس الإقصاء وإنتاج “هويات قاتلة” تتصارع على السلطة المركزية. في هذا السياق، يبرز مفهوم “الجمهورية الديمقراطية” العيش المشترك بين مكونات المنطقة، ليس كطرح طوباوي، بل كمشروع سياسي وسوسيولوجي مضاد يسعى لإحداث قطيعة معرفية مع مفاهيم المركزية، التجانس القسري، واحتكار السلطة.
تعيش مجتمعات الشرق الأوسط أزمة بنيوية مركبة تتسم بالشلل السياسي والاستلاب الفكري. يمكن توصيف هذه الحالة، كما عبر عنها أمين معلوف، بـ “الموت مع وقف التنفيذ”، حيث تقبع المنطقة في منطقة رمادية بين الحرب والسلام، وتستنسخ صراعات الماضي لتعطيل مسارات المستقبل. يهدف هذا المقال إلى تفكيك جذور هذه الأزمة، بدءاً من ظاهرة “الانتظارية السياسية”، مروراً بإخفاقات الديمقراطية التمثيلية المستوردة، وصولاً إلى استشراء سياسات الهوية، مع طرح نموذج “أمة الجمهورية الديمقراطية” كبديل هيكلي لتجاوز حالة الانسداد.
وتعاني البنية المجتمعية من حالة تقاعس جمعي تتجلى في الاتكالية على غيبيات الحل السياسي (انتظار المعجزة أو المهدي المخلص). هذه “الانتظارية السياسية” ليست مجرد معتقد ديني، بل هي أداة سيكولوجية تكرس العبودية الطوعية وتعفي الفرد والمجتمع من مسؤولياتهما في التغيير. إن التحرر من هذا الموروث السلبي يتطلب استعادة الفاعلية المجتمعية عبر إرساء دعائم العقلانية، والاعتماد على الذات، وتفكيك بنية الجهل الممنهج الذي تفرضه السلطات الحاكمة.
حيث تأسست الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة بناءً على مقاربات استشراقية فرضت قوالب دستورية ومؤسساتية لا تتسق مع السوسيولوجيا المحلية. وقد تجلى ذلك في اختزال المفهوم الديمقراطي في “الآلية الانتخابية” والبرلمانات. تحولت هذه البرلمانات، في غياب ثقافة ديمقراطية حقيقية قوامها التعددية وقبول الآخر، إلى مسارح سياسية (كولوسيوم حديث) تتصارع فيها القوى التابعة نيابة عن النخب الحاكمة. إنها تشريعات وقوانين معزولة عن الواقع، تكرس مجتمعاً استهلاكياً مسلوب الإرادة.
وقع العقل السياسي العربي والإقليمي في فخ الثنائيات الحادة (الشرق/الغرب، الدين/القومية، خائن/وطني، سني/شيعي). هذه الثنائيات الإقصائية، تشكل أرضية خصبة لتآكل الدول، كما حدث في بيروت، الموصل، طرابلس، وعفرين. وفي ظل هذا الاستقطاب، تختبئ نخب سلطوية براغماتية (في سوريا، العراق، اليمن، تركيا وغيرها) خلف خطابات السيادة والوطنية، بينما تمارس في الواقع سياسات تدميرية وتنهب مقدرات شعوبها لضمان ديمومة بقائها في السلطة، متحولة إلى مجرد وكلاء أو أدوات وظيفية في لعبة الأمم.
أدى الفشل المتراكم لدولة الاستقلال إلى فراغ فكري عميق، جعل المجتمعات عرضة لاستيراد حلول خارجية لا تزيدها إلا ارتهاناً. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب قراءة نقدية وتفكيكية للتاريخ المحلي ذي الجذور الحضارية العميقة، والانطلاق منه لتأسيس عقد اجتماعي جديد.
لفهم العيش المشترك ما بين المكونات لبناء “الجمهورية الديمقراطية”، يجب أولاً تفكيك نقيضها. اعتمدت الدولة القومية في الشرق الأوسط على ثالوث الأحادية: (لغة واحدة، قومية واحدة، وعَلم واحد). لتحقيق هذا التجانس الوهمي، لجأت الأنظمة المتعاقبة إلى سياسات الصهر الثقافي، والإبادة السياسية، وتهميش المكونات الأصلية.
على النقيض من ذلك، يفكك مفهوم العيش المشترك ضمن “الجمهورية الديمقراطية”، الارتباط الشرطي بين “الجمهورية الديمقراطية” و”الدولة”. فالأمة هنا لا تُعرّف برابطة الدم أو العرق أو الدين، بل تُعرّف بناءً على “العقد الاجتماعي” و “الذهنية الديمقراطية المشتركة. إنها مظلة سياسية مرنة تتسع لكافة المكونات الثقافية دون أن تُلغي خصوصياتها.
يقوم هذا المفهوم على مجموعة من الأعمدة الهيكلية التي تعيد تعريف السلطة والمجتمع. العيش المشترك بين مكونات المجتمع، ترفض الهيكلية الهرمية للسلطة (من الأعلى إلى الأسفل). وتستبدلها بتنظيم مجتمعي أفقي يبدأ من أصغر الوحدات (المجالس المحلية)، صعوداً إلى المجالس العامة. الهدف هو إعادة القرار السياسي إلى المجتمع نفسه، وتقليص دور البيروقراطية الحكومية. وكذلك تعتبر التنوع القومي والديني مصدر إثراء وقوة، وليس تهديداً أمنياً يجب قمعه. يتم ضمان حقوق التعبير الثقافي واللغوي لكل مكون (عرب، كرد، سريان، تركمان، أيزيديين، إلخ) كحق طبيعي غير قابل للمساومة. وأهم نقطة في التحول إلى “الجمهورية الديمقراطية”، هو مقياس تحرر المرأة، والذي يمثل (الأساس السوسيولوجي). حيث يُعد هذا النموذج أن استعباد المجتمع بدأ تاريخياً مع استعباد المرأة وصعود الذهنية الذكورية السلطوية (التي هي أساس شكل الدولة القومية). لذلك، يعتبر التحرر الجذري للمرأة ومشاركتها المتساوية في كافة مفاصل الإدارة شرطاً مسبقاً لتحرر المجتمع بأكمله. والنقطة الهامة لبناء “الجمهورية الديمقراطية” هو عنصر الإيكولوجيا والاقتصاد المجتمعي. حيث يطرح المفهوم بديلاً للرأسمالية الاحتكارية التي تستنزف الطبيعة والمجتمع معاً. يعتمد على اقتصاد تشاركي (تعاونيات) يلبي احتياجات المجتمع الأساسية، مع الحفاظ على التوازن البيئي المستدام.
وثمة تحديات كبيرة لتطبيق هذا المفهوم في الواقع الشرق أوسطي. ورغم التماسك النظري لهذا الطرح، إلا أن نقله من الحيز الفلسفي إلى التطبيق العملي يواجه تحديات جيوسياسية ومجتمعية جسيمة، أبرزها، المقاومة الشرسة من الأنظمة المركزية. حيث ترى الدول الإقليمية (ذات البنية القومية أو الثيوقراطية) في هذا النموذج تهديداً وجودياً لسلطتها، مما يدفعها لمحاربته عسكرياً وسياسياً. وكذلك الرواسب الطائفية والعرقية. عقود طويلة من الاستقطاب وشيطنة الآخر خلقت حاجزاً نفسياً بين شعوب المنطقة، مما يجعل عملية بناء الثقة للعيش ضمن “الجمهورية الديمقراطية” عملية بطيئة تتطلب تراكماً ثقافياً ومعرفياً طويلاً. وأيضاً التدخلات الخارجية، حيث تحرص القوى الدولية على إبقاء المنطقة ضمن حالة سيولة وصراعات محكومة، لأن الاستقرار القائم على استقلالية القرار المجتمعي يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.
إن نموذج “الجمهورية الديمقراطية”، ليس مجرد “معجزة إلهية” ننتظرها كما في الأدبيات السابقة، بل هو مشروع عمل شاق يتطلب إنتاج وعي جمعي جديد. إنه محاولة جادة للخروج من نفق الهويات القاتلة، وإعادة بناء الأوطان على مقاس المجتمعات وتنوعها، وليس على مقاس السلاطين والمستعمرين.


