- فكر ودراسات

المرأة الرافدينية… شمس لا تغيب في يومها العالمي

ابراهيم يوسففي الثامن من مارس من كل عام، تتجه أنظار العالم نحو المرأة، تلك الكيان الذي شكل عبر التاريخ سر الحياة وبوصلة المجتمع. وفي العراق، بلد الرافدين، يأتي هذا اليوم ليحمل أكثر من معنى؛ إنه يوم تأمل في الإنجازات، ويوم وقفة عند التحديات، ويوم تجديد للعهد مع المستقبل.من نضال الأمس إلى احتفال اليوملم يكن الثامن […]


ابراهيم يوسف
في الثامن من مارس من كل عام، تتجه أنظار العالم نحو المرأة، تلك الكيان الذي شكل عبر التاريخ سر الحياة وبوصلة المجتمع. وفي العراق، بلد الرافدين، يأتي هذا اليوم ليحمل أكثر من معنى؛ إنه يوم تأمل في الإنجازات، ويوم وقفة عند التحديات، ويوم تجديد للعهد مع المستقبل.
من نضال الأمس إلى احتفال اليوم
لم يكن الثامن من مارس مجرد تاريخ عابر في ذاكرة البشرية، بل هو ثمرة نضال طويل خاضته النساء على مدى عقود. تعود جذور هذا اليوم إلى أوائل القرن العشرين، حين خرجت آلاف العاملات في مصانع النسيج بمدينة نيويورك عام 1908 يطالبن بتحسين ظروف العمل وزيادة الأجور والمساواة.
وفي عام 1910، وخلال مؤتمر النساء الاشتراكيات الدولي في كوبنهاغن، رفعت الناشطة الألمانية كلارا زيتكين اقتراحاً بتخصيص يوم عالمي للمرأة يكون منصة للنضال من أجل الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وفي العام التالي، احتفل أكثر من مليون شخص في النمسا والدنمارك وألمانيا وسويسرا بهذا اليوم لأول مرة.
أما ارتباط الثامن من مارس بهذه المناسبة فيعود إلى عام 1917، حين خرجت النساء في بتروغراد (سانت بطرسبرغ حالياً) في مظاهرات حاشدة للمطالبة “بالخبز والسلام”، لتكون تلك الشرارة التي أشعلت الثورة الروسية. ومنذ عام 1975، تبنت الأمم المتحدة هذا اليوم رسمياً، وأضفت عليه الشرعية الدولية ليكون مناسبة عالمية للاحتفاء بالمرأة وتسليط الضوء على قضاياها.
المراة الرافدينية… أيقونة الصمود والعطاء
في بلاد ما بين النهرين، حيث كتبت المرأة أولى صفحات التاريخ، تواصل المرأة في ” ميزوبتاميا” مسيرتها بكل إصرار. فمن ملكة تدمر زنوبيا إلى آلهة الحب عشتار، مروراً بالراحلة الكبرى زها حديد، وشهيدات حركة التحرر الكردستانية اللائي تركن بصماتهن في أقاصي الأرض، تثبت الرافدينيات يوماً بعد يوم أنهن قادرات على صناعة المستحيل.
تحت شعار هذا العام 2026 “الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات”، تواصل المرأة الرافدينية كفاحها في ظل ظروف استثنائية. فقد أثبتت خلال السنوات العجاف التي مرت بها المنطقة أنها لاتزال صلبة لا تنكسر. كانت في سنوات الإرهاب الأسود أماً ومعيلة وحامية، ومقاتلة، تجمع بين مسؤوليات البيت ومواجهة التحديات المجتمعية، والمصيرية الكبرى.
اليوم، تتبوأ المرأة في الشرق الاوسط مواقع متقدمة في الدولة والمجتمع. فرغم كل الصعوبات، نجدها طبيبة ومهندسة وقاضية ووزيرة ونائبة في البرلمان. وقد شهدت السنوات الأخيرة خطوات مهمة على صعيد تمكين المرأة، ففي العراق، أقر مجلس الوزراء مؤخراً الاستراتيجية الوطنية للمرأةمن العام 25_ 30، التي تهدف إلى تعزيز مشاركتها في التنمية المستدامة وتمكينها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. كذلك في اقليم كردستان، وروجافا حيث تتبوأ القيادة الادارية بجدارة.
تحديات على الطريق:
الحديث عن المرأة. لا يمكن أن يكون منفصلاً عن التحديات الجسام التي تواجهها. فرغم التقدم المحرز، لا تزال طريق المساواة شاقة. حيث تعاني آلاف النساء والفتيات من العنف الأسري، والتمييز في فرص العمل، والزواج المبكر، والعادات المجتمعية التي تحد من طموحاتهن.
وتكشف الإحصائيات عن واقع مؤلم، فملايين الأرامل في العراق بكل انحاءه (مثلاً وليس حصراً). يعانين ظروفاً معيشية قاسية، وآلاف الفتيات يحرمون من مواصلة تعليمهن لأسباب اقتصادية أو اجتماعية. كما أن قوانين العقوبات لا تزال تحوي مواد مثيرة للجدل مثل المادة 41 التي يساء تفسيرها أحياناً لتبرير العنف الأسري.
هذا فضلاً عن ظواهر اجتماعية مؤلمة كزواج القاصرات والزواج العشائري القسري، التي تظل وصمة عار في جبين المجتمع. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تكثيف الجهود لتعديل القوانين المجحفة وتفعيل آليات حماية المرأة.
صوت من الأرض
“نضال نسوي مستمر تمارسه المرأة العراق (عربية أو كردية) وبقية النساء من مكونات الشرق الأوسط الاخرى بشكل كبير، لكنه بات أكثر حيوية بعد سقوط الدكتاتورية”، هكذا تصف الناشطات واقع الحال. فقد تحول يوم المرأة في السنوات الأخيرة من مجرد مناسبة احتفالية إلى وقفات احتجاجية ونضالية ترفع فيها النساء مطالبهن، خاصة بعد انتفاضة تشرين التي أظهرت دوراً بارزاً للنساء في التغيير.
نحو مستقبل أكثر إشراقاً
اليوم، ونحن على أعتاب ذكرى يوم المرأة العالمي، لا يسعنا إلا أن ننحني إجلالاً للمرأة العربية والكردية، ونساء منطقتنا. تلك التي حملت على عاتقها هموم الوطن في أحلك الظروف، والتي كانت ولم تزل ركيزة أساسية في بناء المجتمع.
إن تحقيق المساواة الكاملة ليس ترفا فكريا، بل هو ضرورة مجتمعية وحتمية تنموية. فالاستثمار في المرأة هو استثمار في المستقبل، وتمكينها يعني تمكين للإنسانية جمعاء.
في هذا اليوم، نوجه التحية لكل امرأة. للأم التي ربّت أجيالاً، وللعاملة التي تكافح من أجل لقمة العيش، وللناشطة التي تدافع عن الحقوق، وللطالبة التي تحلم بمستقبل أفضل. أنتنّ شمس هذا الوطن التي لا تغيب.
كل عام وأنتنّ بخير… كل عام وأنتنّ الأمل.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026