- فكر ودراسات

دور التسامح في بناء المجتمعات المستقرة

عباس كامل يُعد التسامح ركيزة أساسية في بناء المجتمعات المستقرة، فهو ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل ضرورة اجتماعية وسياسية تضمن تماسك النسيج الوطني. في عصر تتشابك فيه الثقافات وتتنوع فيه الهويات، يصبح التسامح هو الضمانة الوحيدة لتحويل الاختلاف من مصدر صراع إلى مصدر إثراء. المجتمعات التي تفتقر إلى ثقافة التسامح سرعان ما تنزلق إلى هوّة […]

عباس كامل

يُعد التسامح ركيزة أساسية في بناء المجتمعات المستقرة، فهو ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل ضرورة اجتماعية وسياسية تضمن تماسك النسيج الوطني. في عصر تتشابك فيه الثقافات وتتنوع فيه الهويات، يصبح التسامح هو الضمانة الوحيدة لتحويل الاختلاف من مصدر صراع إلى مصدر إثراء.

المجتمعات التي تفتقر إلى ثقافة التسامح سرعان ما تنزلق إلى هوّة الانقسامات، حيث تتحول الاختلافات الطائفية والإثنية والفكرية إلى خطوط تماس تنذر بالعنف وعدم الاستقرار. أما المجتمعات المتسامحة، فتنظر إلى التنوع كقوة دافعة للابتكار والإبداع، لا كتهديد يجب قمعه.

التسامح لا يعني التخلي عن الثوابت أو القبول بالظلم، بل هو الاعتراف بحق الآخر في الوجود والاختلاف، وإدارة الخلاف بالحوار بدل الإقصاء. عندما تترسخ هذه القيمة في المؤسسات والمناهج التعليمية والخطاب العام، ينشأ جيل يعرف كيف يختلف دون أن يتناحر، وكيف ينقد دون أن يكفر.

إن استقرار أي مجتمع يقاس بقدرته على احتواء تناقضاته الداخلية بطرق سلمية. المجتمعات التي نجحت في بناء سلام دائم هي تلك التي جعلت من التسامح ثقافة يومية، وأسست لأنظمة تحمي الحقوق وتضمن المشاركة العادلة للجميع. فعندما يشعر كل فرد بأنه مواطن كامل الحقوق بغض النظر عن انتمائه، يزدهر الولاء للوطن بدل الولاءات الفرعية.

ختاماً، التسامح هو استثمار طويل الأمد في الاستقرار. بناء مجتمع متسامح يحتاج إلى إرادة سياسية، ومؤسسات عادلة، وتعليم يرسخ قيم القبول بالآخر. بدون التسامح، تبقى المجتمعات هشة أمام نزعات الانقسام؛ ومع التسامح، تتحول التنوعات من نقطة ضعف إلى أعلى درجات القوة والمنعة.

ما يربط هذا الطرح بموضوع المقال الأول هو أن الحياد الفاعل الذي يحفظ السيادة لا يمكن أن يبنى على أرض متصدعة. فقدرة العراق على لعب دور متوازن بين الولايات المتحدة وإيران، وإدارة علاقاته الدولية بأقل الخسائر، تبدأ من تماسكه الداخلي. وهذا التماسك لا يتحقق إلا بتسامح حقيقي بين مكوناته: تسامح يمنع تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، ويجعل من التنوع الطائفي والعرقي مصدر قوة لا نقطة ضعف يستغلها الخارج.

العراق اليوم في حاجة ماسة إلى معادلة واضحة: استقرار داخلي قائم على التسامح وقرار وطني موحد وقدرة على فرض الاحترام الخارجي. بدون هذه المعادلة، سيبقى أي مشروع للحياد أسير اختراقات داخلية.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026