
اكار تاج الدين
في زمنٍ أصبح فيه الخلط بين الوسائل والغايات هو السمة الأبرز للأزمات السياسية والفكرية التي تعصف بمنطقتنا، يبرز سؤال جوهري يتطلب إجابة جريئة: من المسؤول عن إعادة بناء العقل الجمعي وتحريره من ثنائية التقديس والتسييس؟ هل هي المؤسسات الدينية الراسخة في خطابها التقليدي؟ أم الأحزاب القومية التي باتت أسيرة مشروعيتها التاريخية وفشلها الذريع في إدارة التنوع؟ أم أن الأمر يتطلب تحولاً جذرياً في مفهوم التجديد ذاته، ليكون من وظيفة المثقف النقدي المستقل، الذي يمتلك الجرأة على تفكيك الثوابت الوهمية وإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة والدين والهوية؟
قد لا يختلف الكثير من العقلاء على أن الدين، في جوهره الإنساني، وظيفته الأساسية هي خدمة الإنسان وإيصاله إلى حالة من التجرد المادي وإعلاء القيم المعنوية والروحية لديه. إنه، بمعنى أدق، وسيلة راقية للوصول بالمجتمع إلى مكانة من الاحترام المتبادل، وإبداء الرأي بحرية، والعيش المشترك بين الشعوب، استنادًا إلى المبدأ القرآني الأخلاقي: “إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم”. فالدين ليس غاية في ذاته بقدر ما هو إطار أخلاقي لتكريس كرامة الإنسان.
بالمثل، القومية هي ذلك الإحساس الفطري بالاعتزاز بالانتماء، والذي يشكل جزءًا من الهوية الإنسانية الشاملة. هي وسيلة للتعايش والتوافق المجتمعي، حيث تُبنى القوة في التنوع والتعددية، لا في الإقصاء والتوحيد القسري، انسجامًا مع الآية الكريمة: “ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم”. وكِلا المفهومين — الدين والقومية — ليسا من اختيار الإنسان بمعنى الانعزال عن الآخر، بل هما ضرورتان لسيرورة الحياة، شريطة أن يظلا في موقعهما كوسائل وليس كغايات مطلقة.
إن تحويل الدين والقومية من وسائط للحياة الكريمة إلى غايات مقدسة هو الذي ينتج التعصب والتطرف. هذا التحول يؤدي حتمًا إلى إخراج الإنسان من طبيعته الإنسانية المجتمعية، التي هي أساس تطور الحضارات، إلى حالة من التوحش والعيش في “غابة” يظل فيها القانون الأوحد هو “البقاء للأقوى”، وفقًا للقراءة الداروينية المشوهة التي باتت تشكل الأساس الفكري للعقلية التعصبية. هذه العقلية تنتج بدورها الاستبداد بوجهيه: الديني (حيث يصبح الحاكم “ظل الله على الأرض” والناطق الرسمي بإرادة السماء)، والقوموي (حيث تصبح الدولة هي الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش). هذه الديكتاتورية المزدوجة هي السبب الرئيسي في المآسي التي نعيشها اليوم.
والمشكلة تتضاعف حين ندرك أن العلوم الوضعية، التي كانت في الأصل أداة لتحرير الإنسان، قد شُوهت وأُخرجت من مضمونها الاجتماعي الأخلاقي. لقد صارت هذه العلوم آلة في يد القوى الرأسمالية الناهبة، التي تحتكر الحقيقة باسم “العلمانية” الزائفة، وتُخضِع الإنسان لمنطق الربح والاستهلاك. الرأسمالية الحداثوية لم تكتفِ بسرقة جهد الإنسان، بل سرقت العلم ذاته ليصبح في خدمتها فقط، معزولاً عن مسؤولياته الاجتماعية والإنسانية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الأخلاقية إلى جانب الأزمة السياسية.
إن عملية تزاوج الدين مع القومية (أو الدولة القومية) ليست وليدة اللحظة؛ فقد تجلت بوضوح في أوروبا بعد الثورة الصناعية، حيث قدّس فلاسفة كبار هذه المعادلة. لقد أقنعوا المجتمعات بأن الانسان لا يمكنه العيش خارج هذه الثنائية، فتحولت الأفكار إلى حقائق مطلقة، وأصبح أي طرح خارجها مجرد هراء أو خيال. عندما قال الفيلسوف هيغل إن “الدولة هي ظل الله على الأرض”، وأن “الدولة دائمًا على حق”، فإنه كان يقدس هذه المعادلة التي تجعل من السلطة السياسية امتدادًا للسلطة الإلهية. هذه الفلسفة هي التي أخضعت المجتمعات لسلطة الزعيم المطلق، حيث أصبحت طاعته واجبًا دينيًا وقوميًا في آنٍ واحد.
اليوم، نجني الثمار السلبية لهذا الالتحام المرضي بين الدين والدولة القومية أكثر من أي وقت مضى. المشكلة الجوهرية تكمن في تحويل الوسائل إلى غايات؛ فحين يصبح الدين هدفًا للدولة، والدولة هدفًا للأمة، يُفقد الإنسان قيمته ويُصبح مجرد وسيلة لتحقيق بقاء السلطة.
وهنا يكمن الخلل في معظم الأطروحات المعاصرة التي تنادي فقط “بتجديد الخطاب الديني”. هذه الدعوات، رغم أهميتها، تبقى محاولة ناقصة للخروج من عنق الزجاجة، ولن تنجح ما لم تقترن بتجديد جذري في الخطاب القومي، وفصل ما تم التقائه من مفاهيم. فالاعتماد على المؤسسات الدينية الرسمية أو الأحزاب القومية التقليدية لقيادة هذا التجديد هو وهم كبير، لأن هذه المؤسسات هي نفسها نتاج المعادلة التي نريد تفكيكها. إنها ليست أدوات للحل، بل هي جزء من المشكلة.
وهنا يتجلى الدور المركزي للمثقف. المثقف الحقيقي ليس ناقلًا للسلطة أو مبررًا لها، بل هو هيبة الضمير الجمعي وصوت التجديد الدائم. مهمته ليست انتظار المؤسسات الدينية — التي غالبًا ما تكون أسيرة خطابها التاريخي أو مرتبطة بسلطة الحاكم — لكي تقوم بتجديد فهم الدين. كما أن مهمته ليست انتظار الأحزاب القومية — التي أثبتت فشلها في إدارة الاختلاف وتحويل القومية من إطار للتعايش إلى إطار للإقصاء — لتجديد خطابها. إن التجديد الحقيقي، سواء على صعيد الفكر الديني أو الفكر القومي، هو مهمة المثقف الحرّ، الذي يمتلك الاستقلالية والقدرة على النقد، والذي يتحمل مسؤولية قول الحقيقة بعيدًا عن إملاءات السلطة أو ضغوط الجمهور.
يقع على عاتق المثقف اليوم واجب إعادة تعريف الدولة، ليس كغاية مقدسة، بل كوسيلة لحفظ الأمن والاستقرار وحماية حقوق الإنسان. بقدر ما تكون سلطة الدولة خفيفة وعادلة على المجتمع، بقدر ما يتجه المجتمع نحو الديمقراطية الحقيقية التي تنتج إنسانًا مبدعًا، هدفه الأول هو خدمة المجتمع لا استغلاله. علينا أن ندرك أن كل شيء — الدين، القومية، الدولة، العلم — هو في خدمة الإنسان، لأنه هو غاية الحياة ومبتغاها. أي عكس ذلك هو التعصب القوموي والتطرف الدينوي، ولن تكون نتيجته سوى المزيد من القتل والاعتقال والنحر والاستبداد.
إن التجربة التاريخية أثبتت أن القومية بكل أشكالها — العربية، التركية، الفارسية، اليهودية — لم تقدم حلولاً لشعوبها بقدر ما قدمت حالة من العداء والتنافر والاقتتال الداخلي والخارجي. لقد أدارت الصراع باسم “الوحدة” أو “النقاء” بينما شرذمت المجتمعات على أسس طائفية وإثنية. لذا، لم يعد هناك مناص من إعادة التفكير الجذري في هذه المصطلحات، والبحث عن صيغ خلاقة تجمع الكل — قوميات، أديان، إثنيات، مذاهب — في إطار العيش المشترك على أساس أخوة الشعوب، حيث يعيش الكل مع الكل، لا الكل ضد الكل. وأن الإصرار على منطق أنه لا يمكن العيش بدون دولة، تكون نتائجه ما نعيشه الآن من تراجيديا ومأساة تفكك المجتمعات، إن كان ما يحدث في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا ومؤخراً في إيران. كل هذه المآسي كانت بداية شرارة الحفاظ على السيادة الوطنية والرمز الوطني أي الزعيم الملهم، والنتيجة هي انهيار وهم السيادة والعلم والزعيم الخالد والضرورة.
ربما تشكل فلسفة السيد عبد الله أوجلان، وخاصة في مشروعه حول “الأمة الديمقراطية”، خطوة نظرية وعملية مهمة في الخلاص من هذا المأزق. هذه الفلسفة، التي تهدف إلى احتواء الكل بعيدًا عن التعصب القوموي والدينوي، تجاوزت مفهوم الدولة القومية الجامعة إلى نموذج ديمقراطي تعددي. إن التجربة التي تم تطبيقها في فيدرالية شمال وشرق سوريا باتت محط أنظار الباحثين عن حلول حقيقية لقضايا التنوع والاستبداد في المنطقة. وما زال المستقبل وحده كفيلًا بتقديم الحكم النهائي على هذه التجربة، لكنها تبقى مؤشرًا على أن الخروج من الأزمة يبدأ عندما نجرؤ على وضع الوسائل في أماكنها الصحيحة، ونترك للإنسان حريته في أن يكون غاية كل شيء.


