في سياق الذكرى السنوية الثانية عشرة للإبادة الجماعية التي تعرّض لها إيزيديو شنكال في الثالث من آب/أغسطس 2014، أثار تقرير إعلامي بثته إحدى القنوات الفضائية في محافظة الأنبار، وتناول قضية امرأة إيزيدية يُزعم أنها من ضحايا الاختطاف على يد تنظيم “داعش”، ردود فعل رسمية وشعبية واسعة، تجاوزت حدود الاستنكار إلى المطالبة بتحقيقات قضائية وإدارية ومهنية، في مشهد يعكس حساسية ملف الناجيات الإيزيديات، ودقة التعامل الإعلامي مع واحدة من أبشع جرائم العصر الحديث، التي اعترفت بها المحاكم الدولية بوصفها إبادة جماعية.
خلفية الأزمة: تقرير يثير التساؤلات
جاء التقرير المثير للجدل متزامناً مع إحياء ذكرى المجزرة التي راح ضحيتها آلاف الإيزيديين، بين قتيل ومخطوف ومفقود، وما زالت تداعياتها الإنسانية والنفسية تلقي بظلالها على المجتمع الإيزيدي حتى اليوم. وبينما تناول التقرير قصة امرأة إيزيدية، زاعماً أنها تعرّضت للرفض من قبل مجتمعها بعد عودتها من الأسر، أثارت مضامينه حالة من الغضب والقلق، خصوصاً في ضوء ما تمثله قضية المختطفات من رمزية كبرى في الوجدان الإيزيدي والعراقي العام.
موقف شبكة الإعلام في شنكال: تحذير ومطالب
أصدرت شبكة الإعلام في شنكال بياناً حذّرت فيه من مغبة نشر معلومات غير موثقة أو روايات مضللة، مؤكدة أن مثل هذه الممارسات لا تقتصر على تشويه حقيقة الإبادة الجماعية، بل قد تؤدي إلى “تأجيج الفتنة بين مكونات المجتمع، والإضرار بالنسيج الاجتماعي، وإعادة إنتاج الخطاب الذي استخدمه داعش لتبرير جرائمه بحق الأقليات”. وشدد البيان على أن الادعاءات التي تزعم رفض المجتمع الإيزيدي لاستقبال الناجيات تتعارض مع الحقائق الموثقة، وتتناقض مع الفتوى التاريخية التي أصدرها المرجع الديني الراحل بابا شيخ، والتي أكدت ضرورة احتضان الناجيات بوصفهن ضحايا لجريمة إرهابية، وليس متهمات أو منبوذات.
المطالب الخمسة: تحقيق شامل على مستويات متعددة
انطلاقاً من هذه المعطيات، طالبت الشبكة مجلس القضاء الأعلى، واللجنة العليا للبحث عن المختطفين الإيزيديين، وهيئة الإعلام والاتصالات، ونقابة الصحفيين العراقيين، باتخاذ حزمة من الإجراءات المتكاملة، يمكن إيجازها في الآتي:
1. التحقيق القضائي: فتح تحقيق عاجل لكشف ملابسات إعداد التقرير ونشره، والتثبت من مدى التزامه بالقوانين والمعايير المهنية، مع التحقيق في كيفية إصدار الوثائق الرسمية الخاصة بالمرأة المذكورة، وتحديد الجهة المسؤولة عن ذلك، لما يشكله ذلك من خرق محتمل للإجراءات القانونية.
2. التحقق الإنساني والقانوني: تكليف اللجنة العليا للبحث عن المختطفين بالتحقق الفوري من وضع المرأة المذكورة، واتخاذ الإجراءات القانونية والإنسانية اللازمة إذا ثبت أنها من ضحايا التنظيم، بما يكفل حماية حقوقها ويضمن عدم التلاعب بقضيتها.
3. المساءلة المهنية: مطالبة هيئة الإعلام والاتصالات ونقابة الصحفيين بفتح تحقيق مهني وإداري بحق القناة والصحفي المعدّ للتقرير، ومحاسبتهما إذا ثبت نشر معلومات غير موثقة أو مضللة، أو تحريف حقيقة ضحايا الإبادة، أو بث محتوى من شأنه إثارة الفتنة والكراهية، بما يخالف ميثاق الشرف الصحفي والضوابط الإعلامية النافذة.
4. توجيه المؤسسات الإعلامية: دعوة جميع وسائل الإعلام إلى الالتزام بالمعايير المهنية عند تناول قضايا الإبادة الجماعية، والامتناع عن نشر أي محتوى غير موثق قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام، أو التحريض ضد الضحايا، أو الإضرار بالتماسك المجتمعي، مع التأكيد على أن قضية الناجيات ليست مادة درامية، بل قضية إنسانية ووطنيّة بامتياز.
5. محاسبة المتورطين في إخفاء الحقائق: إجراء تحقيق شامل ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إخفاء حقيقة النساء الإيزيديات المختطفات، أو تزوير وقائع اختطافهن، أو عرقلة الجهود الرامية إلى إعادتهن إلى عائلاتهن، وفقاً للقانون، لما تمثله هذه القضية من اختبار حقيقي لسيادة القانون في العراق.
بين الذاكرة والمسؤولية
إن ما أثارته هذه الحلقة الإعلامية من جدل، يكشف مجدداً عن هشاشة التعامل مع قضايا الإبادة الجماعية في الخطاب الإعلامي العراقي، وعن الحاجة الماسة إلى ضوابط مهنية وقانونية تحمي الضحايا من الاستغلال، وتصون الحقيقة التاريخية من التشويه. فقضية الناجيات الإيزيديات ليست مجرد ملف إعلامي عابر، بل هي محطة اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على الوفاء بالتزاماتهما الأخلاقية والقانونية تجاه ضحايا أحد أكثر الفصول دموية في التاريخ العراقي الحديث. وبينما تتواصل الذكرى الأليمة، يبقى الرهان على تحقيق العدالة، وتوثيق الرواية التاريخية بعيداً عن التجييش والمزايدات، مع احترام مطلق لكرامة الضحايا وحقهم في الحقيقة.



