
فاطمة الملكشاهي
لم يعد خطاب الكراهية والتحريض في العصر الحديث ظاهرةٌ هامشية ترتبط بالمواقف الانفعالية أو الخلافات العابرة، بل أصبح أحد أبرز الأدوات التي تستخدم في إدارة الصراعات السياسية والاجتماعية والثقافية. فقد أدى التطور الهائل في وسائل الأعلام والاتصال الرقمي إلىٰ توسيع هذا الخطاب، حتى غدا قادراً على تجاوز الحدود الجغرافية والتأثير على الرأي العام، وإعادة تشكيل التصورات الجمعية تجاه الأفراد والجماعات.
لا تكمن خطورة هذا الخطاب في أنه تعبيراً عن مشاعر سلبية، بل صار يستخدم في توظيفه من أجل المصالح السياسية، وإضفاء الشرعية على بعض القوى المهيمنة في الساحة، فخطاب الكراهية، ماهي إلا وسيلة تدعم التفرقة بين الأفراد في المجتمع لكي يسهل السيطرة عليه والتحكم فيهم.
” ماهية خطاب الكراهية “
في البدء علينا أن نُلقي الضوء على تعريف خطاب الكراهية، حتى يتبين لنا جوهره الأساسي.
خطاب الكراهية في الاستعمال العام، يشير إلى خطاب مسيء يستهدف جماعةً أو فرداً إستناداً إلى خصائص متأصلة، مثل العرق أو الدين أو نوع الجنس، وقد يهدد السلم الإجتماعي. أما التعريف الموحد والعام الذي استندت عليه الأمم المتحدة في خطة عملها بشأن خطاب الكراهية بأنه… «أي نوع من التواصل، سواء في الكلام أو الكتابة أو السلوك يهاجم شخصاً أو جماعة أو يستخدم لغة إزدرائية أو تمييزية على أساس الدين أو العرق أو اللون أو النسب أو نوع الجنس أو أي عامل آخر من عوامل الهوية».
أما تعريف التحريض هو حث شخص آخر، أو إقناعه، أو دفعُه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لارتكاب فعل غير مشروط أو جريمة، وهو يُعدّ من صور المساهمة الجنائية ويعاقب عليه القانون، ويشمل معاني متعددة في اللغة والقانون.
منها: الحث والدفع، وطلب أمر معين وأثارة الآخرين.
خلق فكرة معينةٍ، مثل زرع فكرة الجريمة أو الفعل في ذهن الشخص وتحفيزه عليها.
ومفهوم التحريض هنا يتواءم مع خطابات الكراهية، فالتحريض يدخل ضمن دائرته، حيث تتغذى هذه الخطابات على التحريض والحث على الكراهية تجاه بعض الأطراف في المجتمع. ودائماً ما تستخدم حرية التعبير في كثيرٍ من الاحيان كغطاء لخطابات الكراهية والتحريض، ولكن شتان ما بين الاثنين.
هنا يطرح سؤال… ما الفرق بين حرية التعبير وخطاب الكراهية؟
الفرق الأساسي بينهما هو أن حرية التعبير هو حق أساسي لنقل الأفكار والآراء النقدية أو السياسية دون إيذاء، بينما خطاب الكراهية يتجاوز ذلك ليستهدف الهوية ويحرض على العنف والتمييز.
” الجذور الفلسفية والنفسية لخطاب الكراهية “
يتغذى خطاب الكراهية على آليات نفسية عميقة، مثل الخوف من المختلف وتشكيل الهوية الجماعية، ومن منطلقات فلسفية تقوم على رفض الآخر وإقصائه.
* الجذور الفلسفية: وتتمثل بثنائية الأنا والآخر، حيث يرى بعض الفلاسفة أن وعي الجماعة بذاتها يتأسس على نفي وإقصاء المجموعات الأخرى، حيث يعد الخطاب التحريضي سقوطً للعقلانية، نتيجة لتنازل العقل عن المنطق والحكمة لصالح السرديات الاستعلائية التي تبرر التمييز.
* الجذور النفسية: تتأصل الجذور النفسية في الاستثمار في الخوف، حيث يبدأ العداء عادةً من الخوف الغريزي من المجهول أو من فقدان الامتيازات، فيتحول الخوف إلى كراهية منظمة، حيث يلجأ الأفراد إلى إسقاط المخاوف الداخلية، والنقائص ومشاعر العجز على الآخرين.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب الدعاية دوراً مهما في خطاب الكراهية، حيث تحول الافراد إلى جماعات متناحرة فيما بينها، فنجد اليوم بعض الخطابات السياسية المحرضة على الكراهية والاستعلاء تنتشر وتأخذ صداها في المجتمع، فالإعلام المضلل والدعاية لهما تأثير كبير في ترسيخ العوامل النفسية والاجتماعية في خطابات الكراهية، وكل ذلك يسهل على الاجندات والأحزاب السياسية عملها في توجيه المجتمع وقيادته لصالحها، حيث يتم تخدير المجتمع وإشباعه بخطابات الكراهية بوساطة الدعاية المضللة.
” خطاب الكراهية في الواقع السياسي المعاصر “
ازدادت في الآونة الأخيرة خطابات الكراهية، وتوظيفها في الصراعات السياسية، حيث تصاعدت وتيرته في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مما أثار الانقسامات والصراعات الدينية والقومية والطائفية، وهذا ما نشهده في كثير من النماذج عالمياً في وقتنا الحاضر، وحتى في الدول العربية التي شهدت مثل تلك الخطابات وخاصةً في العراق، حيث تبلور هذا الخطاب في المواجهات السياسية والتحريض الطائفي ضد أبناء المكونات فيما بينهم، ونمت هذه الظاهرة وازدادت بعد العام 2003، حيث تجلت هذه الظاهرة في الخطاب الديني والتفرقة الطائفية بين المذاهب، وهذا ما يخدم مصالح الاحزاب السياسية الساعية إلى السلطة. من خلال الدين والطائفة، لكي تتمكن من تخدير الشعب وتشتيته، وإبعاده عن المطالبة بأبسط حقوقه في العيش الكريم. وخطورة هذه المسألة تكمن في كيفية تلقي المجتمع لها، ولاسيما أن المجتمع العراقي معروف بعاطفيته وسرعة التأثير عليه من خلال الخطابات الشعبوية التي تغذي الكراهية والتحريض، حيث شهدنا كثير من رجال الدين على المنابر يحرضون ويغذون الانقسامات من خلال هذه الخطابات، وكذلك رجال السياسة الذين يستخدمون الدين لأجل المصالح السياسية وبقائهم في السلطة.
” سبل مواجهة خطابات الكراهية “
التصدي لخطاب الكراهية لا يتحقق بمجرد سن القوانين أو فرض العقوبات، وإنما يتحقق ببناء منظومة متكاملة تجمع بين القانون، والثقافة، والتعليم، والإعلام، والعمل السياسي المسؤول، فالكراهية ليست ظاهرة قانونية فحسب، بل إنها ظاهرة اجتماعية وفكرية وسياسية، تتغذى على الانقسامات والأزمات وضعف الثقة بين مكونات المجتمع.
فمواجه تلك الخطابات تتم عبر آليات مترابطة تحد منها وهي:
* بناء منظومة قانونية رادعة: حيث تُعد التشريعات من أهم الأدوات للحد من خطاب الكراهية، شريطة أن تصاغ بدقة بحيث تجرم التحريض على العنف والتمييز والكراهية، من دون أن تتحول إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير عن الرأي أو إسكات المعارضة السياسية، فينبغي أن يكون معيار التجريم هو التحريض على الإضرار بالآخرين، وليس الاختلاف بالآراء.
* ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيز الحوار والتماسك المجتمعي: كلما تضعف الهوية الوطنية، تزداد فرص انتشار الخطابات القائمة على الكراهية والانتماءات الضيقة، لذلك فإن ترسيخ مفهوم المواطنة، بوصفها أساس للعلاقة بين الفرد والدولة، يسهم كثيراً في الحد من النزاعات الطائفية والعرقية والقومية، والسبيل في ترسيخ هذه الثقافة هي تعزيز الحوار القائم على الاعتراف المتبادل واحترام التنوع في المجتمع.
* إصلاح المنظومة التعليمية: لا تقتصر المنظومة التعليمية على التعليم ونقل المعرفة، بل يشمل ذلك بناء الشخصية وغرس قيم الحوار والتسامح وقبول الآخر، وهذا ما يعزز التفكير النقدي وقبول واحترام التنوع.
* مسؤولية النخب السياسية والدينية والثقافية ودور الإعلام: تمتلك النخب تأثيراً مباشراً على الخطابات، وفي تشكيل الرأي العام، وذلك فأن التزام النخب بخطاب معتدل ومسؤول يسهم في تهدئة الاحتقان وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع. ويتحمل الإعلام مسؤولية اخلاقية واجتماعية كبيرة، وذلك من خلال الالتزام بالموضوعية والحياد وتجنب الأثارة، وعدم منح المنابر للخطابات التي تؤجج الانقسام المجتمعي.
في النهاية إن مواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية الدولة ومؤسساتها، والمجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية والإعلامية، والنخب الفكرية والسياسية، فضلاً عن مسؤولية الأفراد أنفسهم.


