السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • حينما تكون المرأة صدى الرجل: تحليل نفسي لصراع المرأة مع ذاتها وجنسها
- امرأة ومجتمع

حينما تكون المرأة صدى الرجل: تحليل نفسي لصراع المرأة مع ذاتها وجنسها

عذراء فالح في المجتمعات الأبوية، تتحول المرأة أحيانًا إلى أداة تنفذ بها الإرادة الذكورية، بل وأسوأ من ذلك، إلى “صدى” يعيد إنتاج صوت السلطة الذكورية وكأنه صوتها هي. وهنا يبرز السؤال المؤلم: كيف يمكن للمرأة أن تقف حارسة للسجون التي صنعت خصيصًا لاحتجازها؟ كيف تصبح المرأة نفسها عدوة لنفسها وعدوة لجنسها؟ إن الظاهرة التي نتحدث […]

عذراء فالح

في المجتمعات الأبوية، تتحول المرأة أحيانًا إلى أداة تنفذ بها الإرادة الذكورية، بل وأسوأ من ذلك، إلى “صدى” يعيد إنتاج صوت السلطة الذكورية وكأنه صوتها هي. وهنا يبرز السؤال المؤلم: كيف يمكن للمرأة أن تقف حارسة للسجون التي صنعت خصيصًا لاحتجازها؟ كيف تصبح المرأة نفسها عدوة لنفسها وعدوة لجنسها؟

إن الظاهرة التي نتحدث عنها ليست مجرد استسلام سلبي، بل هي تحوّل نفسي عميق، تبدأ فيه المرأة بالتبرير الداخلي للقمع، وتصبح مؤمنة حقيقية بمشروع التمييز الذي يحد من حريتها.

التطبيع الداخلي للهيمنة الذكورية

تتربى الفتاة منذ نعومة أظفارها على أن صوت الرجل هو “الصوت العاقل” وأن رأيه هو “الرأي السديد”. تتعلم أن قيمتها مرتبطة بطاعتها، وأن خروجها عن ما يسمى “العادات والتقاليد” يعني فقدان حمايتها الاجتماعية. هذا التطبيع يخلق لدى المرأة كيانًا نفسيًا “مستعمرًا”، حيث تعيش الذكورة داخل ضميرها وتتحدث عبر لسانها.

الخوف من وصمة العار

العار الاجتماعي هو السلاح الأكثر فعالية ضد المرأة. تخشى المرأة أن تُتهم بـ”الرجولة الناقصة” أو “التحرر المخل” أو “الخروج عن الملة”. لذلك، تتحول إلى شرطي أخلاقي على نفسها وعلى غيرها، فتكون هي أول من ينتقد امرأة “تجاوزت الحدود”، وأول من يدعو إلى “الحفاظ على الشرف”.

المكاسب الرمزية للتبعية

في المجتمعات الذكورية، تحصل المرأة “المطيعة” على مكاسب رمزية: الاحترام النسبي، الحماية، المكانة الاجتماعية، بل أحيانًا نفوذ غير مباشر عبر الرجال. هذا يخلق شعورًا بالتميز لدى المرأة تجاه أخريات “غير ملتزمات”، فتصبح حارسة على بوابات النظام بدل أن تكون ثائرة عليه.

المرأة كأداة لسن القوانين القمعية

من أغرب مفارقات القمع الذكوري أن المرأة نفسها قد تكون من تروج أو تساند قوانين تميز ضدها. في مجالس سن القوانين، نجد أحيانًا أصواتًا نسائية تطالب بتشديد العقوبات على “جرائم الشرف”، أو تعارض قوانين الأحوال الشخصية العادلة، وتفعل ذلك بحجة “الحفاظ على المجتمع” و”منع الفساد”.

إن المرأة التي تفعل ذلك لم تعد مجرد منفذة، بل أصبحت شريكة أيديولوجية في القمع. إن صوتها الذي يزعم الدفاع عن “القيم” هو في الحقيقة صوت العقلية الذكورية التي زرعت داخلها منذ الطفولة.

الثأر وقتل البنات باسم الشرف

عندما تتحدث نساء عن ضرورة “غسل العار” أو الحفاظ على “شرف العائلة” من خلال قتل أو تهديد أو ترويع بناتهن، فإنهن يمارسن أقسى أنواع العنف الرمزي. إن أمًا تدفع لقتل ابنتها بحجة الشرف، هي امرأة فقدت كل اتصال بذاتها الأنثوية، وتحولت إلى قناع بلا ملامح لما يسمى “العادات”.

كيف تعود المرأة إلى ذاتها؟

يجب أن تبدأ عملية التحرر من الداخل، عبر إعادة قراءة النصوص الدينية والتراثية، وتمييز بين الثابت والمتغير، بين الروح والممارسة البشرية. كثير من “العادات والتقاليد” ليس لها أصل سوى تسلط ذكوري قديم.

تحتاج كل امرأة إلى مساحة آمنة تعترف فيها بخوفها من العار والوصم والنبذ. العلاج النفسي الجمعي ومجموعات الدعم النسائية يمكن أن تكون بداية لكسر الصمت. عندما تكتشف المرأة أنها ليست وحدها، ينهار جزء كبير من سيطرة الخوف.

على المرأة أن تسأل نفسها: هل هذا رأيي حقًا، أم أنه صوت والدي، زوجي، أخي، المجتمع الذكوري الذي استقر في عقلي؟ التمرين اليومي على هذا السؤال يعيد بناء استقلالية الفكر.

تحتاج المرأة إلى أن ترى في النساء الأخريات حليفات وليس منافسات. كلما قالت امرأة لأخرى “أنا أصدقك” و”أنا معك”، تساقطت أسوار العزلة التي بنتها العقلية الذكورية.

المرأة التي كانت صدى للرجل ليست ضحية فقط، بل هي أيضًا شريكة في إعادة إنتاج ظلمها. لكن التغيير يبدأ من لحظة إدراك هذه الحقيقة. إن طريق العودة إلى الذات هو طريق طويل وشاق، يواجه فيه الرعب من المجهول والألم من فقدان الحماية الذكورية الوهمية.

لكنه طريق ضروري، لأنه الطريق الوحيد لتتحول المرأة من “عدوة نفسها” إلى “صوت حريتها”، ومن حارسة للسجن إلى مهندسة لتحررها. حينها فقط يمكن لنساء لا يخدمن الذكورة، ولا يبحن بدماء بنات جنسهن باسم الشرف، ولا يشرعن القوانين ضد حريتهن.

عندما تتعافى المرأة من استعمار صوتها الداخلي، تصبح حرة ليس لأن الرجل سمح لها، بل لأنها استعادت نفسها.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026