زينب العجيلي
يشهد المجتمع العراقي تصاعداً مقلقاً في جرائم العنف ضد النساء والفتيات، وعلى رأسها جرائم ما يُعرف بـ”غسل العار” (قتل النساء بتهمة إلحاق العار بالعائلة)، وزواج القاصرات، والاغتصاب، والزواج القسري من المعتدي. ترتفع هذه الجرائم في ظل تداخل عوامل متراكمة: أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، وهيمنة الأعراف العشائرية والسلطة الأبوية، وثغرات قانونية صارخة تمنح الجناة أعذاراً مخففة. سنحلل الأسباب البنيوية للظاهرة، ونكشف كيف أن الفقر والأمية وضعف الحماية القانونية تشكل بيئة خصبة للعنف، في وقت تظل فيه المطالبات بإلغاء المواد التمييزية في قانون العقوبات العراقي حبيسة الأدراج.
تعاني شرائح واسعة في العراق من الفقر والبطالة وتراجع الخدمات الأساسية، مما ينعكس سلباً على الاستقرار الأسري. المناطق الفقيرة والمكتظة سكانياً تشهد نسباً أعلى من المشكلات الاجتماعية، نتيجة اضطرار عائلات كبيرة للعيش في مساحات ضيقة تفتقر إلى أبسط المقومات، مما يزيد الضغوط النفسية والعنف داخل الأسرة. كما تسهم الأزمات الاقتصادية في تكريس ظواهر مثل عمالة الأطفال، والتسرب من المدارس، وزواج القاصرات، وهي عوامل ترتبط مباشرة بتصاعد العنف ضد الفتيات.
ما تزال النزعة العشائرية والقبلية تفرض حضوراً قوياً في العديد من المناطق العراقية، حيث تتقدم الأعراف الاجتماعية أحياناً على القانون، مما يفتح الباب أمام ارتكاب جرائم بحق النساء تحت مسميات مختلفة، أبرزها “غسل العار”. الفكر الذكوري وهيمنة السلطة الأبوية داخل الأسرة يحرم الكثير من الفتيات من حق اتخاذ القرار في ما يتعلق بالدراسة أو العمل أو الزواج، وتواجه بعضهن بالعنف أو القتل في حال رفضن قرارات العائلة. بعض العائلات ما تزال تنظر إلى المرأة باعتبارها “شرف العائلة” وليس كإنسانة كاملة الحقوق.
يسهم انتشار الأمية وضعف التعليم، خاصة في القرى والمناطق الطرفية، في استمرار ثقافة العنف ضد النساء. ارتفاع نسب تسرب الفتيات من المدارس بسبب الفقر أو الزواج المبكر أو القيود الاجتماعية يحرم الفتيات من أداة الحماية الأساسية: الوعي القانوني والثقافي الذي يمكنهن من الدفاع عن حقوقهن. تدني المستوى الصحي والخدمي وضعف الثقافة السياسية والمجتمعية ترتبط بطبيعة السياسات العامة وأولويات الحكومات المتعاقبة.
تعاني التشريعات العراقية من نصوص تمييزية صارخة ضد النساء، تمنح أعذاراً مخففة لمرتكبي جرائم العنف الأسري وجرائم “غسل العار”. أبرزها المادة 409 من قانون العقوبات العراقي، التي تمنح عذراً مخففاً للرجل إذا فاجأ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبس بالزنا وقام بالاعتداء عليها أو قتلها. كما تخفف عقوبات جرائم ترتكب مع سبق الإصرار بحجة “الحالة الانفعالية” أو “فقدان السيطرة”. تطالب الحركات الحقوقية والنسوية منذ سنوات بإلغاء أو تعديل هذه المواد، لضمان تحقيق العدالة.
والأخطر من ذلك، أن قانون العقوبات العراقي يتضمن مواد تسمح بتخفيف العقوبة أو إيقاف تنفيذها إذا تزوج الجاني (المغتصب) من الضحية. تستغل الأعراف العشائرية هذه الثغرات لإجبار الفتاة على التنازل عن حقها والزواج من المعتدي بحجة “حل القضية” أو “الحفاظ على سمعة العائلة”، مما يجعل الضحية أسيرة للخوف والصدمة لسنوات.
تشير تقارير أمنية وحقوقية إلى تزايد أعداد الفتيات المفقودات أو اللواتي يُعثر على جثثهن في أماكن مهملة (كمكبات النفايات ومناطق الصرف الصحي). هذا يعكس اتساع رقعة العنف المتصاعد بعيداً عن الرقابة القانونية والاجتماعية. غياب الإحصاءات الدقيقة والشفافة يزيد من صعوبة معالجة المشكلة، ويدفع نحو ضرورة وجود بيانات رسمية واضحة عن جرائم العنف ضد النساء والأطفال.
لا يمكن معالجة الجرائم الاجتماعية بحق النساء في العراق عبر الحلول الأمنية فقط. المطلوب حزمة متكاملة تشمل:
– إلغاء أو تعديل جذري للمواد 409 وما يشابهها في قانون العقوبات، وسد ثغرة “الزواج من المغتصب”.
– تعزيز حماية الضحايا عبر إنشاء مراكز إيواء ودعم نفسي وقانوني مجهزة بشكل جيد.
– إطلاق حملات توعية في الريف والحضر لمواجهة ثقافة “الشرف” الذكورية والعنف العشائري.
– إلزام الحكومة بإحصاءات دورية وشفافة عن جرائم العنف ضد النساء كأداة للرقابة والمتابعة.
بدون هذه الإصلاحات، ستبقى النساء العراقيات رهينة سلطة مزدوجة: سلطة العشيرة القاتلة، وسلطة القانون الذي يتغاضى أو يخفف. وهذا عار لا تغسله الدماء.



