
أمل محمد حسين
بعد أكثر من عقدين على “التحرير” وإعادة بناء الدولة العراقية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا ظلت المرأة العراقية أسيرة المقاعد الخلفية في المشهد السياسي، بينما توسع الرجل في السيطرة على مفاصل الحكم ليصبح، دون منازع، العراب الحقيقي لظاهرة الفساد المستشري؟ إن ما نشهده اليوم في العراق ما بعد الانتخابات يؤكد حقيقة مرة: المجال السياسي لم يفتح أبوابه أمام المرأة بالقدر الذي يسمح لها بأن تكون شريكاً فاعلاً في صنع القرار، بل ظلت مشاركتها شكلية، تخضع لمنطق المحاصصة والتوازنات الطائفية والحزبية الضيقة.
رغم النصاب القانوني الذي كفلته المادة (49) من الدستور العراقي، والتي نصت على تمثيل المرأة بما لا يقل عن 25% من مقاعد البرلمان، فإن هذا التمثيل ظل كمياً بحتاً، بعيداً عن الجوهر والتأثير الحقيقي. فالمرأة النائبة غالباً ما تكون تحت الوصاية الحزبية، تُختار وفق أجندات لا تعبر بالضرورة عن هموم النساء، وتُقصى عن اللجان النيابية السيادية كاللجنة المالية والقانونية والأمنية، وتُحتكر المناصب القيادية في الوزارات والمحافظات من قبل الرجال.
إن التجارب الانتخابية المتعاقبة أظهرت أن المرأة العراقية تواجه تحديات ثلاثية: أولاها، الثقافة المجتمعية الذكورية التي تنظر إلى السياسة باعتبارها “حرفة رجالية” لا تليق بالمرأة. وثانيتها، الإرادات الحزبية التي تستخدم المرأة كورقة انتخابية ثم تهمشها بعد الفوز. وثالثتها، غياب الدعم المالي واللوجستي للمرشحات مقارنة بنظرائهن الرجال.
بطريقة مأساوية ساخرة، أثبت الرجل العراقي -الذي استحوذ على زمام الأمور- أنه الأب الروحي للفساد بكل أنواعه. فمنذ عام 2003 وحتى اليوم، أدار الرجال مؤسسات الدولة، وتقلدوا مناصب رئاسة الوزراء والوزارات والمحافظات ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، وكانت النتيجة: احتلال العراق مراكز متقدمة في مؤشرات الفساد العالمي، ونهب المال العام، والمحاصصة التي أغرقت البلاد في مستنقع البيروقراطية والرشوة والهدر المالي.
السؤال المحوري: هل كان وجود المرأة في مواقع القرار سيحدث فارقاً؟ التجارب العالمية تؤكد أن المجتمعات الأكثر فساداً هي عادة تلك التي تغيب فيها المرأة عن مراكز السلطة، بينما ترتبط زيادة تمثيل المرأة بانخفاض ملحوظ في معدلات الفساد. فالمرأة، بحكم تركيبها الاجتماعي والنفسي، تميل إلى الشفافية والمساءلة والنزاهة، وتكون أقل انخراطاً في شبكات المحسوبية والرشوة التي يبنيها الرجال ببراعة.
لكي تنخرط المرأة في تعطيل عمليات الفساد، يجب أن تمتلك ثلاثة مفاتيح: المفتاح الأول هو التمثيل الحقيقي في مراكز صنع القرار السيادية وليس مجرد مقاعد برلمانية شكلية. المفتاح الثاني هو الحماية القانونية والاجتماعية من الانتقام الذي تمارسه عصابات الفساد ضد كل من يقترب من ملفاتهم. المفتاح الثالث هو الإرادة السياسية الحقيقية من القوى المدنية والوطنية لكسر احتكار الرجال للمناصب القيادية.
حالياً، لا تمتلك المرأة العراقية أي من هذه المفاتيح. فهي في أحسن الأحوال “زينة” سياسية، تُستدعى عند الحاجة لتمرير قوانين تخدم أجندة الأحزاب، وتُقصى عند مناقشة الموازنات والعقود النفطية والصفقات المشبوهة. إن إبعاد المرأة عن اللجان المالية والاقتصادية والأمنية ليس صدفة، بل هو تخطيط ممنهج لإبعادها عن جوهر الفساد.
أرى أن الحل يمر بعدة مسارات متكاملة:
أولاً: تعديل قانون الانتخابات ليشمل آلية “المقعد المضمون للمرأة في الدوائر المتعددة” وليس مجرد كوتا على مستوى القائمة الوطنية. هذا يعني أن المرأة تتنافس على مقعد رجالي بحت في دائرتها المحلية، مما يمنحها شرعية قاعدية.
ثانياً: إصدار قانون يجرم “الإقصاء السياسي للمرأة” ويمنع حرمانها من المناصب القيادية أو تولي اللجان السيادية في البرلمان والحكومة المحلية. يجب أن تكون هناك عقوبات رادعة للأحزاب التي تستخدم نساءً “دمى” ثم تهمشهن.
ثالثاً: إنشاء صندوق دعم للمرشحات المستقلات، يضمن لهن تمويلاً عادلاً للحملات الانتخابية، بعيداً عن التبعية المالية للحزبيين الذكور الذين يستغلون حاجة المرأة المالية لتمرير أجندتهم.
رابعاً: تفعيل دور منظمات المجتمع المدني النسوية في مراقبة أداء النائبات ومحاسبة الأحزاب التي تهمش ممثلاتها بعد وصولهن إلى البرلمان. المطلوب ضغط مجتمعي ومنظم مستمر.
خامساً: حملات توعية وطنية لتغيير الصورة النمطية عن السياسة كحقل رجالي، بالاستعانة برجال دين وإعلاميين ومفكرين يدعمون حق المرأة في القيادة، ويكسرون التابوهات الاجتماعية.
عندما تتولى المرأة مناصب حساسة مثل وزارة المالية، أو هيئة النزاهة، أو لجنة الطاقة، أو المحافظات الغنية بالنفط، فإنها ستكون بالضرورة أقل استجابة لمنطق “المال الحرام” و”الرشوة السياسية” الذي أتقنه الرجال. المرأة العراقية، التي تعاني يومياً من تردي الخدمات وانقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار، هي الأكثر إدراكاً لكلفة الفساد على حياتها وحياة أبنائها. ولذلك، هي الأكثر جرأة على فضح المفسدين إذا ما توفرت لها الحماية.
التجارب الصغيرة التي حدثت في بعض المحافظات حين تولت امرأة منصب مدير بلدية أو مدير دائرة صحية أثبتت فارقاً في الأداء والنزاهة، لكنها بقيت تجارب فردية قابلة للتصفية والتراجع. المطلوب هو التراكم الكمي الذي يتحول إلى تغيير نوعي.
المرأة العراقية ليست نصف المجتمع فقط، بل هي مكون أساسي لا يمكن للدولة أن تنهض بدونه. إن إغلاق المجال السياسي بوجهها ليس مجرد ظلم اجتماعي، بل هو جريمة في حق مستقبل العراق ومكافحة الفساد. كل يوم تمر فيه النساء خارج مراكز القرار الحقيقية، يكتب الفساد انتصاراً جديداً، ويبتعد الأمل في دولة المؤسسات والنزاهة.
حان الوقت لأن نعترف كسياسيين ونخب بأن الرجل العراقي فشل في إدارة الدولة وتطهيرها من الفساد. فشل ذريع أدى إلى سرقة عقود وأجيال. وإذا كنا جادين في إصلاح العراق، فعلينا أن نفتح الباب على مصراعيه للمرأة، ليس من باب “تمكين المرأة” كشعار إعلامي، بل من باب الضرورة الوطنية لمكافحة الفساد وإعادة بناء الثقة بين الشعب والدولة. المرأة العراقية قادرة، ولكنها بحاجة إلى من يفسح لها المجال، وليس من يمن عليها بمقعد زائل في مؤخرة القاعة.


