
عباس هادي
سيخرج من صميم اليأس جيلٌ عنيد بائس”. عبارة للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، حملت يومًا أملًا بولادة جيل صلب في مواجهة الأزمات. لكن الواقع اليوم يكشف صورة مغايرة؛ جيلٌ مثقل بالاضطرابات النفسية والجسدية، نشأ في بيئة مضطربة يغلب عليها العنف والخوف.
تشير الإحصائيات الرسمية إلى تسجيل نحو 14 ألف دعوى عنف أسري في عام 2024، ارتفعت بشكل حاد إلى أكثر من 36 ألف دعوى في عام 2025، في مؤشر مقلق على تصاعد هذه الظاهرة. ويرى مختصون أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، بسبب امتناع كثير من الضحايا عن التبليغ، خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو من تبعات الانتقام داخل الأسرة.
يرتبط تصاعد العنف الأسري في العراق بجملة من العوامل المتداخلة، أبرزها الأزمات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، إلى جانب الإرث الثقيل لعقود من الحروب والحصار والصراعات الطائفية.
هذا الإرث ترك آثارًا عميقة في سلوكيات الأفراد، حيث تحوّل العنف، في بعض الحالات، إلى وسيلة مألوفة للتعامل داخل الأسرة، خاصة في تربية الأطفال.
كما تلعب بعض الأعراف العشائرية والتفسيرات الدينية المتشددة دورًا في تبرير هذا السلوك، من خلال تغليفه بمفاهيم “التأديب” و“التربية الصالحة”، الأمر الذي يساهم في استمراره وتطبيعه داخل المجتمع.
في ظل هذه الظروف، يواجه الشباب العراقي، خصوصًا ما يُعرف بـ“جيل Z”، تحديات نفسية واجتماعية متفاقمة.
ويؤكد مراقبون أن ضعف التغطية الإعلامية، إلى جانب غياب سياسات حكومية فعّالة لحماية الضحايا، يفاقم من حجم المشكلة، ويجعل الكثير من الانتهاكات تمر دون محاسبة.
شهادات من الواقع
زهراء (23 عامًا) – الناصرية
أُجبرت زهراء على الزواج وهي في الثالثة عشرة من عمرها، بعد أن تخلى والدها عن الأسرة. تقول إنها تعرضت لسلسلة من الانتهاكات الجسدية والنفسية من زوجها، ما دفعها لمحاولة الانتحار ثلاث مرات. في محاولتها الأخيرة، أطلقت النار على نفسها، ما أدى إلى تدخل أخيها الذي لم يحتمل الضغوط لاحقًا، لينهي حياته هو الآخر.
اليوم، تعيش زهراء في منزل أهلها بعد أن هجرها زوجها، لكنها لا تزال عالقة دون طلاق، وتصف حالتها بأنها “فقدان كامل للأمل”.
ملاك (17 عامًا) – بغداد
تعيش ملاك في أسرة تعاني من اضطرابات نفسية حادة لدى الأب، الذي كان يمارس العنف بشكل متكرر. تقول إن والدها اعتدى عليها بالضرب مرات عديدة، ووصل الأمر في إحدى المرات إلى محاولة حرقها بالنفط. ومع تدهور الحالة النفسية للأم، تحوّل المنزل إلى بيئة غير آمنة، دفعتها لمحاولات متكررة للهروب والانتحار.
علي (20 عامًا) – بغداد
بدأت معاناة علي بعد طلاق والديه، حيث غادرت والدته المنزل وتركته مع إخوته تحت رعاية أبٍ عنيف. يقول إنه مُنع من العمل وتعرض للضرب المستمر، ما جعله يفكر في الهروب أو الانتحار، قبل أن يقرر البقاء لرعاية إخوته الأصغر سنًا. ويصف حياته اليوم بأنها “دائرة مغلقة من العنف بلا مخرج”.
تعكس هذه النماذج جانبًا من واقع يومي يعيشه آلاف الأطفال والنساء في العراق. ويرى مختصون أن استمرار هذه الظاهرة، في ظل غياب برامج فعّالة للتأهيل النفسي وضعف تطبيق القوانين، ينذر بعواقب خطيرة على المدى البعيد، قد تمتد آثارها لأجيال قادمة.
يبقى العنف الأسري أحد أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في المجتمع العراقي، لما يرتبط به من عوامل ثقافية واجتماعية عميقة. غير أن تجاهله أو التقليل من خطورته قد يحوّله إلى أزمة بنيوية تهدد استقرار المجتمع، وتنتج جيلاً يحمل آثار العنف بدلًا من تجاوزه.


