في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في بنية الأمن الإقليمي، لم تعد ملامح “الناتو العربي” مجرد فرضية أكاديمية تُطرح في أروقة مراكز الفكر، بل بدأت تفرض نفسها كضرورة عملياتية، وسط موجات عنف متصاعدة اجتاحت الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية. فبينما شنت القوات الأميركية والسعودية ضربات جوية مركزة ضد مقرات الفصائل المسلحة في العمق العراقي، رداً على تهديدات طالت المصالح الحيوية، تزامن ذلك مع حادثة استهداف ميناء دمياط المصري الاستراتيجي على البحر المتوسط، والتي وجهت فيها أصابع الاتهام إلى فصائل عراقية مسلحة ذات صلة بطهران. هذه التطورات، إلى جانب الافتتاح الرسمي لمقر القيادة الاستراتيجية المصرية “الأوكتاغون”، والمساعي السعودية للحصول على دورة نووية متكاملة، وتعزيز الأردن لمنظومة دفاعه الجوي، تطرح بقوة سؤالاً مصيرياً: هل نحن أمام ولادة فعلية لحلف دفاعي عربي جديد، أم أن تباين المصالح الوطنية سيحصر هذا التعاون في إطار الاتفاقيات الثنائية المؤقتة، تاركاً المنطقة رهينة لإشكاليات التنسيق التقليدي؟
التطورات الميدانية: محفزات التصعيد وإعادة رسم الخريطة الأمنية
أحدثت الضربات الجوية المشتركة التي نفذتها واشنطن والرياض ضد مقرات الفصائل الموالية لإيران في مناطق متفرقة من العراق، هزة عميقة في المعادلات الإقليمية، إذ لم تقتصر على كونها رداً عسكرياً، بل جاءت كإعلان ضمني عن تبلور محور تنسيق عملياتي أميركي-خليجي يتجاوز في فعاليته أي تفاهمات أمنية سابقة. في المقابل، مثل استهداف ميناء دمياط المصري، أحد أهم بوابات التجارة البحرية المصرية على المتوسط، منعطفاً خطيراً، إذ اعتبرت القاهرة الهجوم تهديداً وجودياً للأمن القومي، وسارعت إلى تحريك قطعها البحرية وتعزيز تأمين المجرى الملاحي لقناة السويس، وسط ترجيحات تشير إلى ضلوع فصائل عراقية متطرفة بتوفير الدعم اللوجستي أو الاستخباراتي لتلك العمليات، في محاولة لتوسيع رقعة الصراع وإشغال الجيش المصري عن حدوده الغربية والجنوبية.
هذه السلسلة من الضربات المتبادلة لم تكن مجرد حلقة عابرة في نزاع إقليمي، بل كشفت بوضوح عن حقيقة أن التهديدات لم تعد محصورة في جبهة تقليدية واحدة، بل امتدت لتشمل الملاحة البحرية والموانئ التجارية والمنشآت الحيوية، مما يستدعي إعادة هيكلة شاملة لمفاهيم الدفاع الجماعي، وهو ما يضع فكرة التحالف العربي المنظّم تحت المجهر الاستراتيجي.
مصر والأوكتاغون: قيادة عملياتية تنتظر الظرف التاريخي
وسط هذا الزخم التصعيدي، بدا افتتاح القاهرة لمقر القيادة الاستراتيجية للدولة “الأوكتاغون” في الرابع من يوليو/تموز الجاري، وكأنه ترجمة عملية لرؤية مصرية في إدارة الأزمات متعددة الجبهات. يمتد المجمع العسكري والإداري العملاق على مساحة تزيد على 22 ألف فدان، ويضم أحدث منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات، التي تؤهل القاهرة لتكون قلباً نابضاً لأي تنسيق عربي إذا ما توفرت الإرادة السياسية. فالحادثة الأخيرة في دمياط، والتي هددت أمن قناة السويس، منحت القاهرة شرعية إضافية لتسويق دورها كحامية للممرات المائية الحيوية، وهو ما يتوافق مع طموحها لتوسيع مفهوم أمنها القومي ليشمل البحر الأحمر وشرق المتوسط وحتى الحدود السودانية والليبية، كما تجلى في نشرها طائرات مسيّرة متطورة في منطقة شرق العوينات.
غير أن وجود هذا المركز المتطور، رغم ضرورته لأي تحالف دفاعي، لا يعني بالضرورة أن القاهرة تستعد رسمياً لقيادة “ناتو عربي”؛ فالربط بينهما يظل قراءة سياسية تستند إلى طبيعة التحولات الجارية، وليس إلى وثيقة معلنة أو اتفاقية موقعة. لكن ما لا شك فيه أن القاهرة باتت تمتلك، في حال تشكل مثل هذا الحلف، الأدوات الميدانية والفنية لتولي دور محوري، مرتكزة على ثقلها العسكري وعلاقاتها المتشعبة مع كل من دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا.
السعودية بين التخصيب النووي والردع الوطني
على الجانب الآخر، تسعى المملكة العربية السعودية، وبوتيرة متسارعة، إلى الانتقال من دولة مستوردة للتكنولوجيا النووية إلى دولة تمتلك أجزاءً أساسية من دورة الوقود النووي، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم، في خطوة تعكس رغبة عميقة في تحقيق “استقلالية استراتيجية” في مجال الطاقة والردع، بعيداً عن التبعية للموردين الخارجيين. وبينما تفيد وثائق ومصادر مطلعة، بحسب شبكة CNN، بأن الإدارة الأميركية وافقت مبدئياً على السماح للمملكة بتخصيب اليورانيوم دون تفعيل كامل الضمانات الدولية التقليدية، إلا أن تفاصيل الرقابة وشروط نقل التكنولوجيا لا تزال موضع نقاش شائك.
يُقرأ هذا الطموح السعودي، في سياقه الراهن، كرسالة ردع غير مباشرة لإيران، لكن دمجه مباشرة بفكرة “الناتو العربي” يحتاج إلى قدر من الحذر الفلسفي؛ فالتحالفات الدفاعية تقوم على القيادة المشتركة والالتزامات الجماعية، بينما يبقى البرنامج النووي السعودي مشروعاً وطنياً بامتياز. لكنه، في الوقت نفسه، يضيف عنصر قوة جديداً إلى موازين المنطقة، مما قد يجعل المملكة شريكاً لا غنى عنه، لكن على هامش تحالف عربي لا يمكن أن يقود بينما تمتلك أيديولوجية الردع الذاتي الخاصة بها.
الأردن: شوكة دفاعية ومركز إنذار مبكر
في الجهة المقابلة، يبرز الأردن كعنصر مختلف في هذه المعادلة. فعلى الرغم من عدم امتلاكه الإمكانات المالية الخليجية أو الكتلة العسكرية المصرية، فإن موقعه الجغرافي الفريد بين العراق وسوريا والسعودية وإسرائيل، جعله يتحول إلى نظام دفاع جوي ومركز إنذار مبكر لا غنى عنه. وخلال التصعيد الأخير، أثبتت الدفاعات الجوية الأردنية كفاءة عالية بإسقاطها صواريخ وطائرات مسيّرة اخترقت أجواءها مصدرها الأراضي الإيرانية، فيما وسعت عمان تعاونها الأمني مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث أطلق أول حوار أمني ودفاعي بين الجانبين في فبراير/شباط الماضي.
لكن عمّان، التي تجد نفسها بين المطرقة والسندان، تواجه معادلة صعبة: كيف تحمي مجالها الجوي دون أن تتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة أو تبدو طرفاً في صراع بالوكالة؟ وهنا يكمن دورها الطبيعي في أي تحالف دفاعي عربي مستقبلي، ليس كقائد عسكري، بل كحلقة وصل لوجستية ونظام تحذير مبكر، مكلفاً بربط دول الخليج بمصر والمشرق، في ظل تنسيق استخباراتي دقيق لحماية العمق الاستراتيجي العربي من أي توغل جوي.
دول الخليج: بين المظلة الأميركية والتنويع الدفاعي
أظهرت الحرب الأخيرة أن دول الخليج، رغم إنفاقها الهائل على التسلح، لا تزال تواجه تحديات جوهرية في دمج منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر ضمن شبكة موحدة. وقد اتجهت الإمارات وقطر والبحرين والكويت إلى تعزيز علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي في إطار “مبادرة إسطنبول للتعاون”، بل دُعيت إلى قمة الناتو في أنقرة (يوليو 2026)، مما يعكس تزايد الاهتمام الدولي بأمن المنطقة. غير أن التنسيق مع الناتو لا يغني عن الحاجة الماسة للمظلة الأميركية في مجالات الاستطلاع والدفاع الصاروخي والقيادة الجوية، وهو ما ثبتت أهميته خلال التصعيد الذي أعقب قصف الفصائل العراقية.
ومع ذلك، لا تتبنى دول الخليج موقفاً واحداً من مشروع “الناتو العربي”. فالسعودية والبحرين تبدوان أكثر استعداداً للتعاون الدفاعي الصلب في مواجهة التهديدات الإيرانية، بينما تحافظ قطر وعُمان على مساحات دبلوماسية أوسع للتفاوض مع طهران، وتوازن الإمارات بين الردع العسكري والعلاقات الاقتصادية، مما يجعل فكرة الإجماع حول تحالف موحد مسألة معقدة.
معضلة العراق: في قلب العاصفة خارج دائرة الضوء
يبقى العراق الأكثر تأثراً بأي تحالف أمني عربي، لكنه في الوقت نفسه الأكثر استحالة للانضواء تحت لوائه حالياً. فاستهداف مقرات الفصائل داخل أراضيه من قبل القوات الأميركية والسعودية يضعه في موقف بالغ الحساسية، إذ يعكس انقساماً في السيادة الوطنية، حيث تمثل تلك الفصائل امتداداً للنفوذ الإيراني. وبينما يجعله موقعه الجغرافي حلقة وصل استراتيجية بين الخليج وبلاد الشام، فإن نفوذ الميليشيات المسلحة داخل الدولة قد يمنع بغداد من المشاركة في أي ترتيب جماعي يُنظر إليه على أنه موجه ضد طهران. ومن المرجح أن تفضل بغداد المشاركة في ترتيبات أمنية محدودة لحماية الأجواء والحدود ومكافحة الإرهاب، بدلاً من الدخول في تحالف قائم على الاصطفاف العسكري المباشر.
هل يولد الناتو العربي أم يبقى أسير الحسابات الوطنية؟
في تقدير المحللين، إذا تشكلت منظومة أمنية عربية جديدة، فمن المرجح ألا تبدأ بصيغة الناتو التقليدية (التي تعني الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع)، بل عبر مهام عملية محددة، في مقدمتها إنشاء شبكة إنذار مبكر موحدة للصواريخ والطائرات المسيّرة، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر والخليج ومضيق هرمز، وحماية المنشآت الحيوية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. يمكن أن تتولى مصر جانب التخطيط والقيادة، وتوفر دول الخليج التمويل والتكنولوجيا، ويلعب الأردن دور الربط الجغرافي، مع بقاء المظلة الأميركية حجر الزاوية لأي عملية عسكرية واسعة.
لكن العقبات تظل قائمة؛ فأسباب التهديد تختلف بين دولة وأخرى، والعلاقات مع إيران وتركيا وإسرائيل متفاوتة، ناهيك عن الوضع العراقي المعقد. لذا، فإن ما نشهده اليوم ليس ولادة “ناتو عربي” بالمعنى المؤسسي الكامل، بل تشكل “محور دفاع مرن” أو “تكتل عملياتي متغير الهندسة”، تقوده ضرورات التصعيد أكثر مما تقوده رؤية استراتيجية موحدة. ومع ذلك، فإن القصف المشترك لمواقع الفصائل في العراق، والردع الموجّه لحماية موانئ مثل دمياط، يثبتان أن المنطقة بدأت، رغم كل الحسابات الوطنية، في بناء ممارسة دفاعية جماعية جديدة، حتى لو جاءت خطوة تحت وطأة النيران، وخطوة نحو طاولة المفاوضات.



