
محمد العجيلي
يمثّل الشباب العراقي (الفئة العمرية 15-35 عاماً) أكثر من 60% من التركيبة السكانية، وهو رقم يُعدّ في أدبيات التنمية “آخر الرفاه الاقتصادي” أو “الفرصة الذهبية” (الهدية الديموغرافية). لكن الواقع العراقي الراهن يحوّل هذه الهدية إلى نقمة، إذ يُختزل حضورهم في كونهم “وقوداً” للآلة الفاسدة، يُستنزفون في دوائر التوظيف العقيم، ويُستقطبون كأدوات تنفيذية في صراعات النخب، بينما تُسرق منهم فرصة التأثير الحقيقي في صناعة القرار. هذه المفارقة الجوهرية ــ مجتمع فتيّ السن، لكنه قابع في قاع التخلف والجهل السياسي ــ تطرح سؤالاً إشكالياً: كيف يمكن للشباب أن ينتزعوا دورهم كفاعلين أساسيين في بناء الدولة، بدلاً من أن يبقوا موضوعاً يُتاجر به في أسواق المحاصصة؟
آليات تحويل الشباب إلى “وقود” للفساد: تفكيك المعضلة
إن تحليل ظاهرة استلاب الشباب لا يمكن أن يمر دون تفكيك ثلاث آليات رئيسية يعتمدها الفاسدون:
1. اقتصاد الريع والإغراء المادي: في غياب الإنتاج الحقيقي، تُصبح “المادة” (الراتب الشهري، أو العمولة، أو صفقات الوساطة) هي الغاية الوحيدة. يُدفع الشباب نحو ثقافة “الاستهلاك السريع” التي تقتل روح المبادرة، وتجعلهم رهينة للجهة المموّلة (سواء كانت حزباً أو مسؤولاً)، فيتحول وعيهم النقدي إلى خضوع أعمى مقابل لقمة العيش.
2. التوظيف الأمني والمحاصصة: يتم توظيف الطاقات الشبابية في سياقات “حماية النفوذ” أكثر من سياقات البناء، فترى الشاب وقد تحوّل إلى منفذ لسياسات قمعية، أو موظفاً في دوائر وهمية، مما يفقده حس المواطنة ويحوله إلى جزيرة منعزلة عن هموم مجتمعه الحقيقية.
3. تكريس الجهل السياسي المقصود: يحرص الفاسدون على تغذية ثقافة “اليأس” و”اللامبالاة” بين الشباب، بإيهامهم أن “السياسة وسخة” و”لا فائدة من المشاركة”، مما يخلق فراغاً سياسياً يملؤه أولئك الفاسدون بكل سهولة.
عوائق التمكين البنيوية بين الإرادة والقانون
لكي يأخذ الشباب دورهم، لا بد من الاعتراف بأن هناك عوائق موضوعية تحول دون ذلك، وهي ليست مجرد نقص في الوعي، بل منظومة متكاملة:
– إقصاء أكاديمي: المناهج التعليمية لا تزال تكرس التلقين وتموت روح التفكير النقدي، ولا تربط الشباب بمشاكلهم اليومية.
– غياب التمثيل النوعي: في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، يُستخدم الشباب كـ”دمى” في قوائم المحاصصة، دون أن يكون لهم وزن سياسي حقيقي.
– فجوة الثقة: تراكم التجارب السابقة جعل الشباب ينظر إلى الدولة باعتبارها “عدواً” أو “مصدر خوف”، بدلاً من كونها إطاراً للرعاية، وهذا ما يظهر جلياً في موجات الهجرة الجماعية التي تفتقد البلاد لأبنائها الأكثر كفاءة.
منهجية التمكين وإعادة بناء الدور الشبابي
إن انتشال العراق من وهدة الفساد يستلزم تحولاً جذرياً في مفهوم “دور الشباب”؛ من دور سلبي (مستهلك، متلقي، منفذ) إلى دور إيجابي (منتج، ناقد، موجّه). وهنا يمكن اقتراح مسارات عملية وأكاديمية لتحقيق هذا التمكين:
1. الثورة المعرفية كمدخل للتحرر: الشباب اليوم، بفضل التكنولوجيا الرقمية، يملكون أدوات لم تكن متاحة لأجيال سابقة. يجب استثمار هذه الأدوات في *المراقبة المجتمعية*، عبر منصات رقابية مستقلة لفضح الفساد الإداري والمالي، وتحويل “الخوف” الذي عبّر عنه النص إلى “قوة” ضاغطة. المعرفة ليست رفاهية، بل هي السلاح الأنجع لتجريد الفاسد من غطائه الأيديولوجي.
2. الاقتصاد المعرفي بديلاً عن اقتصاد الريع: إن فك الارتباط بطرف الدوامة الحكومية الفاسدة يبدأ بإنشاء مشاريع ريادية صغيرة ومتوسطة في مجالات التكنولوجيا والزراعة الذكية والطاقة البديلة. كل مشروع ناجح للشباب هو ضربة موجعة لثقافة “المنتج المستورد” و”الوظيفة المنتظرة”، وهو ما يعيد للشاب كرامته المادية والمعنوية بعيداً عن استجداء الفاسدين.
3. العمل السياسي المدني المؤسساتي: لا حل دون اختراق الفضاء السياسي. لكن الدخول يجب أن يكون عبر تشكيل كتل وتيارات شبابية مستقلة ذات برامج محددة (بما يتجاوز الخطاب الشعاراتي)، والتركيز على الضغط لتعديل قوانين الانتخاب والتشريع لضمان حصة نوعية للشباب، ليس على أساس عمرهم، بل على أساس كفاءتهم وقدرتهم على محاكمة الفاسدين.
4. إعادة تعريف “الخوف” في النص الجمعي: في النص الأدبي السابق، واجهت “أمل” خوفها بقتله رمزياً. على الصعيد المجتمعي، يجب على الشباب قتل “خوفهم” من السلطة ومن التغيير. فالصمت هو الشريك الأول للفساد. يجب أن يتحول الحوار المجتمعي من “كيف ننجو؟” إلى “كيف نغيّر؟”، وتبني ثقافة الاعتراف بأن السكوت عن الفساد هو تواطؤ فيه.
نحو عقد اجتماعي جديد
الخلاصة أن الشباب ليسوا “مشكلة” تحتاج إلى إدارة، بل هم “حل” يحتاج إلى إطلاق طاقاته. إن بقاء المجتمع العراقي شاباً لكنه متخلف ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لسياسات متعمدة تصادر الحق في المعرفة والمشاركة. الخيار الآن أمام الشاب العراقي واضح: إما أن يبقى وقوداً يلتهمه لهيب الفاسدين، أو أن يصبح مهندس النهضة الذي يعيد بناء الدولة من مؤسساتها.
المطلوب هو “صحوة وجودية” شبابية تدرك أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك (المادة)، بل فيما يقدّم (الفعل الحضاري). حينها فقط، سيتوقف القول عن “مجتمع شاب” ليحل محله “مجتمع واعٍ”، وعندها سيكون الفساد مجرد صفحة في التاريخ، وليس واقعاً نعيشه. النهضة تبدأ اليوم، في وعي كل شاب يرفض أن يكون تابعاً، ويقرر أن يكون قائداً.


