
بسام البديري
لا تبدأ المآسي يوم يموت الإنسان بل يوم يموت شيءٌ فيه ويواصل العيش. ليست كل الجثث تُحمل إلى المقابر.
بعضها ينهض كل صباح يرتدي ثيابًا أنيقة ويصافح الناس ويبتسم للكاميرات ويكتب عن الفضيلة، بينما يحمل في داخله رائحة موتٍ لا تستطيع العطور إخفاءها. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس فساد الجسد وإنما اعتياد الروح على التعايش مع ما مات فيها.
لقد كتب فريدريك نيتشه (من يقاتل الوحوش عليهِ أن يحذر من أن يصبح وحشًا.) ولم يكن يقصد الوحوش التي تسكن الغابات بل تلك التي تستيقظ في داخل الإنسان حين يبرر حقده باسم العدالة أو أنانيته باسم الكرامة أو قسوته باسم الحقيقة.
فكم من إنسان خرج ليحارب الشر ثم عاد وهو يحمل الشر ذاته لكنه منحَه اسمًا أكثر احترامًا.
إن الجثة لا تدخل إلينا دفعة واحدة بل تتسلل بصمت.
تبدأ بكلمة لم نغفرها وبغضب لم نروّضه وبغيرة أقنعنا أنفسنا بأنها حق وبخوف ارتدى ثوب الحكمة.
ثم تستقر في أكثر الأماكن دفئًا داخل القلب حتى يصبح وجودها طبيعيًا بل ويغدو الدفاع عنها نوعًا من الدفاع عن الهوية.
كان فرانز كافكا يرى أن الإنسان قد يتحول إلى سجين عالمٍ صنعه بنفسه وكأن أقسى السجون ليست تلك التي تُبنى من الحجر بل تلك التي تُشيَّد من الأفكار التي نرفض مراجعتها.
فكم من إنسان يعيش داخل زنزانة كراهيته ويظن أنه يعيش في قصر قناعاته؟
وقال ألبير كامو:
(في أعماق الشتاء اكتشفت أن في داخلي صيفًا لا يُقهَر.) لكن السؤال الذي يسبق اكتشاف الصيف هو:
ماذا لو كان الشتاء الذي في داخلنا هو ما نحرص على إطعامه كل يوم؟
ماذا لو كنا نحن من يطفئ ذلك الصيف ثم نتهم العالم بأنه بارد؟
ولم يكن فيودور دوستويفسكي بعيدًا عن هذه الفكرة حين كتب:
(كل واحد منا مسؤول أمام الجميع وعن الجميع).
فالجثة التي نربيها في أعماقنا لا تقتلنا وحدنا إنها تمتد إلى عائلاتنا وإلى مدننا وإلى أوطاننا..
فالحروب الكبرى لم تبدأ بمدفع بل بقلبٍ أقنع نفسه أن الكراهية فضيلة.
كان كارل يونغ يحذر من أن الإنسان إذا أنكر ظله ازداد هذا الظل قوة.
فالصفات التي نهرب من الاعتراف بها لا تختفي بل تعود إلينا بأقنعة جديدة حتى يصبح الحقد مبدأ والتعصب ولاءً والنرجسية ثقة بالنفس والقسوة صراحة.
عندها لا تعود الجثة شيئًا نخجل منه بل شيئًا نفتخر بحمله.
وربما لهذا كتب جبران خليل جبران: (إذا كشف لك إنسان عن قلبه فلا تُرِه سكينك).
لأن أعظم الخسائر ليست حين يجرح الإنسان غيره بل حين يعتاد حمل السكين حتى ينسى أن يده خُلقت للمصافحة.
إن الحضارات لا تنهار عندما يقل فيها العلماء وإنما عندما يكثر فيها الموتى الذين ما زالوا يمشون.
أولئك الذين دفنوا الرحمة ثم سمّوا ذلك قوة.
ودفنوا التسامح ثم سمّوا ذلك ثباتًا.
ودفنوا النقد الذاتي ثم سمّوا ذلك يقينًا.
ربما كان ميشيل دي مونتين محقًا حين رأى أن أعظم حكمة هي أن يعرف الإنسان نفسه.
لكن معرفة النفس ليست تأملًا شاعريًا أمام المرآة بل محاكمة صامتة لذلك الكائن الذي يسكن أعماقنا..
ويسأل كل ليلة:
ما الذي أطعمته اليوم؟ إنسانيتك… أم جثتك؟
في النهاية ليست القضية أن لكل إنسان جثةً داخله فذلك جزء من هشاشتنا البشرية. القضية الحقيقية هي:
من الذي نجلس معه كل مساء؟
هل نجلس مع ضميرنا فننظفه من غبار الأيام أم نجلس مع جثتنا فنقدم لها وجبةً جديدة من الحقد والكبرياء والأنانية؟
إن أكثر الناس خوفًا من المقابر قد يكونون أقل الناس خوفًا من الجثة التي يحملونها في أرواحهم…
وربما لهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يُكتب على باب كل بيت ليس من يسكن هنا.. بل:
(أيُّ جثةٍ نُطعمها كل يوم؟)


