الإثنين, 3 أغسطس 2026
  • Home  
  • حين تغيب العدالة… يعود حمورابي إلى الذاكرة
- امرأة ومجتمع

حين تغيب العدالة… يعود حمورابي إلى الذاكرة

لمى النقاش قبل نحو أربعة آلاف عام، وقف ملك بابل العظيم حمورابي ليضع واحدة من أقدم الشرائع المكتوبة في تاريخ البشرية، من بين مواد مسلته الشهيرة جاءت المادة (196) لتنص على أن: «إذا فقأ رجل عين رجل آخر، تُفقأ عينه». قد تبدو هذه العقوبة اليوم قاسية إذا قورنت بمبادئ العدالة الحديثة، لكنها في زمنها لم […]

لمى النقاش

قبل نحو أربعة آلاف عام، وقف ملك بابل العظيم حمورابي ليضع واحدة من أقدم الشرائع المكتوبة في تاريخ البشرية، من بين مواد مسلته الشهيرة جاءت المادة (196) لتنص على أن: «إذا فقأ رجل عين رجل آخر، تُفقأ عينه».

قد تبدو هذه العقوبة اليوم قاسية إذا قورنت بمبادئ العدالة الحديثة، لكنها في زمنها لم تكن تعبيراً عن الوحشية، بل محاولة لإيقافها.

كانت رسالة واضحة تقول إن من يعتدي على جسد إنسان، سيدفع ثمن اعتدائه، فلا يبقى المظلوم وحيداً، ولا يشعر الجاني أن بإمكانه الإفلات من العقاب.

ولعل هذا ما يتبادر إلى الذهن ونحن نقرأ عن الحادثة المروعة التي هزّت بغداد مؤخراً، والتي تعرّضت فيها امرأة – بحسب ما تداولته وسائل الإعلام – إلى اعتداء وحشي أفقدها إحدى عينيها، وأصاب وجهها بحروق بالغة بعد سكب الزيت الحار عليها.

أي مقدار من القسوة يمكن أن يسكن قلب إنسان حتى يحوّل شريك حياته إلى ضحية لهذا القدر من العنف؟

الأشد إيلاماً من الجريمة نفسها هو السؤال الذي يتكرر كل مرة: لماذا يجرؤ البعض على ارتكاب مثل هذه الأفعال؟ وهل أصبح الخوف من العقوبة أقل من نزوة الغضب والعنف؟

منذ عام تقريباً، استيقظ العراقيون على جريمة أخرى راحت ضحيتها طبيبة قُتلت بوحشية، واليوم نجد أنفسنا أمام مأساة جديدة، تختلف الوجوه، وتتشابه المأساة، ويبقى الضحايا هم الثمن الذي يدفعه المجتمع عندما يضعف الردع أو يتأخر الإنصاف.

لسنا بحاجة إلى إعادة تطبيق قوانين تعود إلى آلاف السنين بحرفيتها، فقد تطورت مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان كثيراً، لكننا بحاجة إلى استعادة الفكرة التي جعلت حمورابي يخلّد اسمه في التاريخ: أن العدالة يجب أن تكون حاضرة، وحاسمة، وسريعة، بحيث يخشى المجرم العقوبة قبل أن تمتد يده إلى ضحيته.

فالقانون الذي لا يردع، لا يحمي، والعقوبة التي تأتي متأخرة، لا تمحو آثار الألم من قلب الضحية، ولا تعيد إليها عيناً فُقئت، أو وجهاً شُوِّه، أو حياةً سُرقت منها.

لسنا بحاجة إلى حمورابي جديد، بل إلى عدالة تليق بالعراق، عدالة يشعر معها كل معتدٍ أن القانون أقوى من عضلاته، وأن كرامة الإنسان ليست مجالاً للتفاوض أو التساهل.

فحين يأمن المجرم العقاب، تصبح الوحشية خياراً، أما حين يوقن أن العدالة ستبلغه لا محالة، يصبح القانون هو الحارس الحقيقي للمجتمع.

وربما لو كان حمورابي بيننا اليوم، لما طالب بأن تُفقأ عين الجاني، بل لقال شيئا واحداً: اجعلوا العدالة يقيناً، ولن يجرؤ أحد على اقتلاع عين إنسان.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026