
حوراء الكناني
في كل مرة يُكتب فيها تاريخ الأوطان تُذكر الحروب والثورات والاتفاقيات وأسماء القادة. لكن هناك تاريخًا آخر لا تكتبه الكتب ولا تحفظه الأرشيفات بل تحتفظ به جدران البيوت ودموع الأمهات وأيدي النساء المتعبة. إنه تاريخ المرأة العراقية ذلك التاريخ الذي كُتب بالصبر أكثر مما كُتب بالحبر.
لطالما قيل إن المرأة نصف المجتمع لكنني أرى أن هذا الوصف لم يعد منصفًا. فالمرأة ليست نصفًا يُكمل النصف الآخر، بل هي الجذر الذي يقف عليه المجتمع كله. وإذا ضعف الجذر مهما ارتفعت الأغصان فلن تصمد الشجرة طويلًا.
في العراق لم تكن المرأة يومًا مجرد شاهدة على الأحداث بل كانت شريكة في صنعها. عندما اشتدت الحروب لم تحمل السلاح وحده للدافع عن الوطن بل حملت المرأة عبء الحياة بأكملها. حفظت البيوت من الانهيار وربّت أبناءها على الأمل وسط الدخان وكانت تُخفي دموعها كي لا يرى أطفالها الخوف في عينيها. وحين أُغلقت أبواب كثيرة فتحت هي نافذة جديدة للحياة مؤمنةً بأن الغد لا يولد من اليأس. ومع ذلك ما زالت بعض العقول تختزل المرأة في أدوار ضيقة وكأنها خُلقت لتعيش على هامش القرار. وهذه ليست إساءة للمرأة وحدها بل خسارة للمجتمع بأكمله.
فالوطن الذي يضع نصف طاقاته خلف الجدران كيف له أن يركض نحو المستقبل؟
إن تمكين المرأة ليس شعارًا يُرفع في المناسبات ولا صورة تُلتقط في المؤتمرات بل هو عدالة تُمارس كل يوم. يبدأ من مدرسة لا تفرّق بين حلم فتاة وطموح فتى ويمر بقانون يحمي كرامتها وينتهي بثقافة تؤمن أن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه لا بما إذا كان رجلًا أو امرأة.
لقد أثبتت المرأة العراقية أنها قادرة على النجاح في كل ميدان دخلته. رأيناها طبيبة تُعيد نبض الحياة إلى المرضى ومعلمة تبني العقول وقاضية تنصف المظلوم ومهندسة تُسهم في الإعمار وصحفية تنقل الحقيقة وريادية أعمال تخلق فرصًا لغيرها. لكنها رغم كل ذلك لا تزال تخوض معركة أخرى معركة إثبات ما أثبتته مرارًا وكأن نجاحها يحتاج في كل مرة إلى شهادة جديدة.
إن المجتمع لا ينهض بعدد الأبراج التي يبنيها بل بعدد الأحلام التي يحميها. وأحلام النساء ليست ترفًا بل استثمارًا في مستقبل العراق. فكل امرأة تُمنح فرصة للتعليم تفتح بابًا لأسرة كاملة. وكل امرأة تُمنح الثقة تمنح وطنها قدرة إضافية على النهوض.
ولعل أعظم ما في المرأة العراقية أنها لا تصنع الضجيج حول تضحياتها. فهي تعمل بصمت وتعطي بصمت وتصبر بصمت حتى أصبح صمتها أعلى من كثير من الخطب. إنها العمود الذي يستند إليه البيت فإذا بقي ثابتًا ظن الجميع أن الثبات أمر طبيعي دون أن يسألوا كم تحمل من أثقال.
إن العراق الذي نحلم به لن يولد من النفط وحده ولا من المشاريع وحدها بل من الإنسان. والإنسان الأول الذي يصنع الإنسان هو المرأة. لذلك فإن احترامها وتمكينها وحماية حقوقها ليست مطالب فئة بل مشروع وطن.
وأؤمن أن اليوم الذي ينظر فيه المجتمع إلى المرأة باعتبارها عقلًا قبل أن تكون صورة وشريكًا قبل أن تكون تابعًا سيكون يومًا يخطو فيه العراق خطوة حقيقية نحو المستقبل. فالأمم العظيمة لا تُقاس بارتفاع مبانيها وإنما بارتفاع قيمة الإنسان فيها والمرأة هي أول امتحان حقيقي لهذه القيمة.
لذلك فإن تكريم المرأة العراقية لا يكون بوردة في مناسبة عابرة ولا بكلمات منمقة في خطاب احتفالي بل بإزالة كل حاجز يقف بين كفاءتها وفرصتها، وبين حلمها وحقها. فحين تنتصر المرأة لا ينتصر جنس على آخر بل ينتصر الوطن كله.


