- امرأة ومجتمع

نعيشها مرتين

لمى النقاش كان الإنسان قديماً يعيش اللحظة… ثم تنتهي، أما نحن فنعيشها مرتين: مرة حين تحدث، ومرة حين نُفكّر كيف ستبدو على الشاشة. لم نعد ننظر إلى الغروب مباشرةً، بل صرنا نرفعه إلى القصص اليومية قبل أن يختفي، كأن الضوء الذي يموت في الأفق لا يستحق الوداع إلا أمام جمهور، صرنا نختبر الأشياء عبر عدسة […]

لمى النقاش

كان الإنسان قديماً يعيش اللحظة… ثم تنتهي، أما نحن فنعيشها مرتين:

مرة حين تحدث، ومرة حين نُفكّر كيف ستبدو على الشاشة.

لم نعد ننظر إلى الغروب مباشرةً، بل صرنا نرفعه إلى القصص اليومية قبل أن يختفي، كأن الضوء الذي يموت في الأفق لا يستحق الوداع إلا أمام جمهور، صرنا نختبر الأشياء عبر عدسة صغيرة، كأن أعيننا وحدها لم تعد كافية لإثبات أن الحياة حدثت فعلاً.

لم يعد المهم أن نكون سعداء، بل أن تبدو سعادتنا قابلة للمشاركة. ولهذا تحديداً، أصبح كثيرون يشعرون بفراغٍ غريب بعد أجمل اللحظات. حفلاتٌ كاملة تُوثَّق أكثر مما تعاش، أصدقاء يجلسون حول الطاولة ذاتها لكن كل واحدٍ منهم يفكّر في الزاوية الأجمل للمشهد.

وعشّاق يلتقطون صورةً للحبّ… قبل أن يعيشوه.

المشكلة ليست في الصورة نفسها، انما المشكلة في التحوّل الذي حدث بهدوءٍ داخلنا، كالماء الذي ينحت الصخر دون ضجيج.

صرنا نراقب أنفسنا طوال الوقت، نضحك ثم نتساءل إن كانت ضحكتنا تستحق البقاء، نبكي ثم نفكّر إن كان الحزن عميقاً بما يكفي ليُكتب عنه.

حتى المشاعر لم تعد تُعاش بعفويةٍ تامة، بل باتت تمرّ أولاً عبر فلتر داخلي يسأل في صمت: (هل هذه اللحظة قابلة للنشر؟). وهكذا تحوّل الإنسان من كائنٍ يعيش اللحظة… إلى كائن يُشاهد يوثق اللحظة.

لهذا يبدو جيلنا متعباً رغم كل هذا الترف البصري.

نحن لا نعيش الحياة فحسب، بل نحمل عبء إخراجها أيضاً. نحتاج أن تبدو القهوة شاعرية، والطريق سينمائياً، والحزن عميقاً بما يكفي ليُقتبس.

حتى الصمت… نحاول أن نجعله أنيقاً.

وربما لهذا السبب بالذات أصبح كثيرون عاجزين عن الاستمتاع بلحظة لا يراها أحد.

كأن التجربة لا تكتمل إلا حين يشهد عليها جمهور. وكأن الوحدة الحقيقية اليوم، ليست أن تبقى وحدك… بل أن تعيش شيئاً جميلاً دون أن تُخبر به أحداً.

المؤلم في الأمر أننا لسنا جيلاً بلا مشاعر كما يُقال عنّا، بل على العكس تماماً. نحن نشعر كثيراً، أكثر مما ينبغي ربما، لكننا تعلّمنا أن ننظر إلى أنفسنا من الخارج باستمرار، حتى فقدنا القدرة على الغرق الكامل في اللحظة.

صرنا نكتب عن الحنين أكثر مما نشتاق، ونصوّر البحر أكثر مما نتأمّله، ونبحث عن شكل الشعور… أكثر من الشعور نفسه.

وربما لن يعود العالم كما كان قبل الشاشات.

وربما لم تُفسدنا التكنولوجيا تماما كما يدّعي البعض.

لكنها فعلت شيئاً أخطر وأكثر هدوءاً:

جعلتنا نعيش حياتنا… وكأننا نُعدّها للنشر لاحقاً.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026