• Home  
  • على ضفاف دجلة: من دمِ الحلّاج إلى صمتِ بغداد
- أدب وفن

على ضفاف دجلة: من دمِ الحلّاج إلى صمتِ بغداد

عباس كامل مشيتُ في شوارع بغداد طويلاً. دجلة ما زال يجري، عَكِراً وصامتاً، كمن رأى من الدماء أكثر مما يحتمل، فلم يعد يبالي بمن يبكي. على الضفّة، حواجز إسمنتية في كل مكان، وجدران خرسانية خضراء تقطع المدينة إلى شظايا. بين حين وآخر، تمرّ مدرّعة فوق حفرة في الطريق، فتُصدر صوتاً مكتوماً، وكأنها تذكّر كلّ عابر: […]

عباس كامل

مشيتُ في شوارع بغداد طويلاً. دجلة ما زال يجري، عَكِراً وصامتاً، كمن رأى من الدماء أكثر مما يحتمل، فلم يعد يبالي بمن يبكي. على الضفّة، حواجز إسمنتية في كل مكان، وجدران خرسانية خضراء تقطع المدينة إلى شظايا. بين حين وآخر، تمرّ مدرّعة فوق حفرة في الطريق، فتُصدر صوتاً مكتوماً، وكأنها تذكّر كلّ عابر: هذه سنة 2026، مضى ثلاثة وعشرون عاماً على ذلك “التحرير” الذي غيّر كلّ شيء، ومضى سبعمئة وستون عاماً على حوافر المغول وهي تدوس مكتبات العباسيين.

لكنّني أريد أن أحدّثكم عن رجلٍ أقدم “منصور الحلّاج”

في السادس والعشرين من آذار عام 922، وفي هذه المدينة نفسها، حكمت محكمة الخلافة العباسية على الحلّاج بالموت. جُلد، وقُطعت يداه ورجلاه، وصُلب جسده على أبواب بغداد، ومات وهو في الخامسة والخمسين. التهمة الرسمية: “الزندقة”، لأنه قال ثلاث كلمات: “أنا الحق”.

طوال قرون، ظلّ الفقهاء يشرحون فداحة هذه الجملة ووقاحتها. لكن جلال الدين الرومي، بعد ثلاثة قرون، قدّم قراءة أخرى: حين يقول المرء “أنا عبد الله”، فهو يثبّت وجودين — وجوده ووجود الله. أما حين يمحو ذاته ويقول “أنا الحق”، فهو لا يقول سوى: “أنا لا شيء، وهو كلّ شيء”. أهذه غاية التواضع أم غاية التجديف؟ يعتمد على الطرف الذي تقف فيه.

لكنّ جريمة الحلّاج الحقيقية، ربما، لم تكن في اللاهوت. لقد جاب الأسواق، وجالس الحمّالين والباعة، وتحدّث بلغة يفهمها العامّي عن أسرار كان يُفترض أن تُحفظ في حلقات الخاصة. لقد تجاوز احتكار السلطة للحقيقة. كان الخلفاء العباسيون بحاجة إلى منظومة تفسير مغلقة، إلى سلسلة متّصلة من “الحديث” إلى “الفقه” لا يقبل الجدل. أما الحلّاج فحاول أن يفتح نافذة، ويقول للناس: “إنّ العقل والتجربة وصفاء الروح يمكن أن تصل إلى المقدّس أيضاً”. هذا ما سُمّي آنذاك “الاجتهاد بالعقل إلى جانب النقل”، وهو ما يمكننا اليوم أن نسمّيه: “التفكير في مواجهة الحفظ”.

إعدام الحلاج، كانت رسالة مفادها؛ تم إيقاف “المعرفة والعقل” في بغداد، أولئك العلماء والفقهاء، إلى جانب السلطة. وبعد موت الحلّاج، صار قبره في بغداد مزاراً صوفياً، ولُقّب بـ”الشهيد”. لكنّ شهيداً واحداً في مدينة، يبقى شوكة في روحها لا تُنتزع — يذكّر من يأتي لاحقاً بأنّ هذه المدينة قتلت، يوماً، رجلاً حاول أن يفكّر بعقله ويتكلّم بقلبه، لأنها خافت.

وماذا عن اليوم؟

بغداد اليوم، أغنى وأكثر “انفتاحاً” — على الأقل في بعض الخطابات الرسمية. أبواب المنطقة الخضراء تُفتح في بعض الأوقات، ومنشآت الأمريكان “تُسلَّم”. لكن تحت هذه الحركات السطحية، ثمّة صمت أعمق. هذه المدينة التي امتلكت “بيت الحكمة”، والتي كانت مركز الجبر والبصريات والطب وحركة الترجمة، والتي كانت ملتقى طرق المعرفة في العالم — مشكلتها اليوم لم تعد “هل ينبغي أن نقتل؟” بل “من بقي يستحق أن يُذكر؟”

بعد موت الحلّاج، كان هناك على الأقل الرومي يتحدّث عنه. أما اليوم، فالعلماء الذين يُغتالون، والصحفيون الذين يُرهبون، والفنانون الذين يُهجَّرون، لا يحصلون حتى على حكم قضائي لائق. يموتون على يد “مسلّحين مجهولين”، أو “سيارة مفخّخة”، أو “غارة يُشتبه بها” — يموتون في حرب بلا محاكمة. الحلّاج على الأقل حظي بمحاكمة دامت سبعة أشهر، وبحكم مكتوب، وبمريدين بكوه. أما بغداد اليوم، فحتى الجلّاد لم يعد يكلف نفسه كتابة اسمه.

لكنّني لا أريد أن أُلقي كلّ اللوم على “الوضع الأمني”. المأساة الحقيقية لبغداد ليست أنها مات فيها كثيرون، بل أنها “نسيت أن التفكير يمكن أن يكون طريقة للبقاء”. قُتل الحلّاج لأن فكره أرعب السلطة. أما اليوم، فموت الفكر لا يحتاج إلى عنف — يكفي اللامبالاة. يمكنك أن تشتري أيّ كتاب في مكتبات بغداد، شرط ألّا تهتم بما فيه. يمكنك أن تدرّس أيّ شيء في الجامعة، شرط ألّا تتوقّع أن يسمعك أحد. يمكنك أن تقول أيّ شيء في المسجد، شرط ألّا تطرح الأسئلة التي لا أجوبة لها.

ما ينقص بغداد ليس حلّاجاً آخر، بل مساحة تسمح للحلّاج بأن يتكلّم

تلك المساحة وُجدت يوماً. في بعض شقوق الدولة العباسية، في ذروة حركة الترجمة، في أكثر سنوات التصوّف انفتاحاً، كان الناس يستطيعون أن يتجادلوا، وأن يخطئوا، وأن يقولوا كلمة الحلّاج الخطرة ثم يدفعوا الثمن. الثمن كان فظيعاً، لكن أحداً كان مستعداً لدفعه. اليوم، لا أحد مستعدّ، لأن لا أحد يرى أن الأمر يستحق.

يُقال إنّ الحلّاج، قبل إعدامه، كان يدعو لمن يجلدونه. قال بعضهم إنّ هذا تسامح القدّيسين. لكنّي أرى فيه احتقاراً أعمق: “أنا لا أكرهك، لأنني لا أعتقد حتى أنّك قادر على فهم ما تفعله”.

وهذا الاحتقار هو بالضبط ما تفتقده بغداد اليوم. إنها لا تكره أحداً، لأنها لم تعد تنظر إلى أحد. دجلة يواصل الجريان، عكراً وصامتاً. رأى دم الحلّاج، ورأى سيف المغول، ورأى رايات العثمانيين، ورأى دبابات البريطانيين، ورأى مروحيات الأمريكان. رأى الكثير، ولم يعد يبالي بأن يتكلّم.

والمدينة التي لا تتكلّم، مدينة تموت.

ما تحتاجه بغداد ليس شهيداً آخر. ما تحتاجه هو أن يبدأ أحدهم بالكلام من جديد — ولو همساً، ولو خوفاً، ولو في زاوية لا يلاحظها أحد، قائلاً الكلمة الأولى التي لا يمنعها أحد لكن الجميع يتجنّبونها. تلك الكلمة في العربية هي: “لماذا”.

الحلّاج طرح هذا السؤال. فقُتل.

لكنّ قاتليه ماتوا على يد التاريخ. أما سؤاله، فما زال حياً.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026