
صبحي البدري
منذ انهيار النظام السياسي السابق في العام 2003، تجاوز الفساد في العراق كونه مجرد تجاوزات مالية أو اختلالات إدارية، ليتحوّل إلى بنية مركبة تتشابك فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية. فلم يعد الاختلاس أو تبديد الموارد العامة حدثاً استثنائياً، بل صار ممارسة روتينية تتخلل تفاصيل الحياة اليومية، حتى استقر في الذهنية الجمعية للمواطن قناعة مفادها أن النفوذ السياسي قادر على توفير الحماية للمتورطين، مهما بلغت التهم المنسوبة إليهم، وأن المحاسبة تظل استثناءً لا قاعدة.
على مدى أكثر من عقدين، أُغلقت ملفات فساد عديدة، وتلاشت مليارات الدولارات في مشاريع وهمية وعقود تنطوي على شبهات، في مقابل تردٍّ متواصل في الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وتراجع فرص التشغيل، ممّا جعل المواطن المتلقّي الأوحد لأعباء هذا الواقع. ومن ثم، فإن أي إجراء رسمي يستهدف شخصيات نافذة لا يمكن حصره في كونه تدخلاً قضائياً فحسب، بل ينبغي قراءته كحدث سياسي قد يعيد رسم ملامح الخريطة السياسية في البلاد.
تتضمن الحملة الأخيرة، والأسماء غير مهمة بقدر استمرار هذه الحملة. حيث ان اللصوص معروفون وليسوا غرباء عن أهل العراق. وأن العراقيون صنعوا لهم رمزاً يشاهدونه يومياً وهم في طريق عملهم أو جني رزقهم، إنه رمز “دوار كهرمانة” المعروف لكل العراقيين وللذين زاروا العراق.
والسياسة لا تقرأ وقائعها وفق الأسماء وحدها، بل بحسب التوقيت أيضاً. لذلك، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا جاءت هذه التحركات الآن؟ ولماذا بهذا المستوى من الشمول؟ وهل بلغت الدولة قناعة راسخة بأن استمرار التآكل الناتج عن الفساد يهدد كيانها ذاته، أم أن ثمة تبدلاً في موازين القوى الداخلية هو الذي أفضى إلى فتح ملفات كانت مغلقة سابقاً؟
تمر كل دولة بلحظة تعيد فيها تعريف علاقتها بالسلطة. فحين تعلو السلطة على القانون، تصبح الدولة أداة في يد النافذين. أما حين يصبح القانون فوق السلطة، فتبدأ الدولة باستعادة جوهرها المعياري. وعلى هذا الأساس، فإن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يُقاس بعدد أوامر القبض الصادرة، وإنما بمدى استمراريتها، وخلوّها من الانتقائية، وتمييزها بين الحليف والخصم على السواء.
غير أن التحولات الداخلية في العراق لا تنفصل عن سياقها الإقليمي؛ فالعراق، بوصفه بلداً جارياً لمصالح متداخلة وإقليمياً معقّداً، ظلّ ساحة تتنافس عليها مشاريع إقليمية متعددة. لذا، فإن أي تغيّر جوهري داخلي سرعان ما يسترعي اهتمام العواصم المؤثرة.
ومن هنا ينبثق تساؤل جوهري حول تزامن التطورات الداخلية مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بغداد. وهل تعكس هذه الزيارة اهتماماً بتداعيات الحملة المحتملة على الخريطة السياسية، أم أنها تندرج ضمن إطار آخر لا صلة له بالشأن الداخلي؟ في غياب معطيات رسمية تؤكد وجود صلة مباشرة، يظل الربط بين الحدثين تفسيراً تحليلياً، لا يتجاوز نطاق التكهن السياسي.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن مكافحة الفساد لا تصطدم بأفراد بعينهم، بل بشبكات مصالح معقدة وتحالفات اقتصادية ونفوذ سياسي متراكم على مدار سنوات طويلة. وعليه، فإن المعركة الفعلية لا تنطلق بإصدار مذكرات قبض، بل حين تتمكن مؤسسات الدولة من استكمال الإجراءات التحقيقية بسلاسة، واسترداد الأموال العامة، وإحالة المتورطين إلى قضاء نزيه ومستقل، بعيداً عن تأثير الحسابات الحزبية أو الضغوط الإقليمية.
لا يرنو العراقيون إلى حملة إعلامية تنتهي بزوال مفعول الأخبار، ولا يريدون تحويل ملفات الفساد إلى أوراق مساومة بين الأطراف السياسية. ما يطمحون إليه هو بناء دولة لا تتردد في محاسبة ذوي النفوذ، وأن يشهدوا تحولاً ملموساً يحوّل المنصب العام إلى مسؤولية اجتماعية لا إلى وسيلة إثراء.
ويبقى السؤال المحوري الذي سيفصل في طبيعة هذه المرحلة: هل نحن أمام انطلاقة حقيقية لدولة القانون القادرة على اختراق الحصانات السياسية المشكّلة منذ 2003، أم أن ما يجري ليس سوى إعادة ترتيب لأوراق القوى داخل المنظومة القائمة ذاتها؟


