في تطور دبلوماسي لافت، أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم الجمعة، ترحيب الجمهورية اللبنانية بالمبادرة المشتركة التي قدمتها كل من الجمهورية الفرنسية والجمهورية الإيطالية، والقاضية بتشكيل تحالف دولي متعدد الجنسيات، يُتوقع أن يحل محل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) عقب انتهاء ولايتها الحالية في أواخر ديسمبر/كانون الأول من العام الجاري 2026. وتأتي هذه المبادرة في خضم نقاش دولي موسع حول مستقبل القوات الدولية في جنوب لبنان، بعد أكثر من أربعة عقود من انتشارها، في منطقة لا تزال تشهد توترات أمنية دورية على الخط الأزرق الفاصل مع إسرائيل.
السياق الأممي والقرارات المنظِّمة
تُعد قوة “اليونيفيل” (UNIFIL) إحدى أقدم بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وقد أُنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 425 الصادر عام 1978، وتم توسيع نطاق مهامها وتعديل تفويضها بموجب القرار 1701 الصادر في أغسطس 2006، والذي أنهى الحرب بين لبنان وإسرائيل في ذلك العام. وتضم القوة حالياً حوالي 7,500 عنصر من قوات حفظ السلام، موزعين على قطاع العمليات في جنوب لبنان، بمشاركة نحو 48 دولة مساهمة بقوات، وتعمل بالتعاون مع الجيش اللبناني لمراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم جهود الاستقرار في المنطقة الحدودية.
غير أن مجلس الأمن الدولي تبنى، في أغسطس/آب 2025، قراراً ينص على إنهاء التفويض الحالي للقوة مع نهاية عام 2026، وذلك بعد ضغوط دولية متصاعدة، تصدرتها الولايات المتحدة، دعت إلى إعادة هيكلة أو استبدال الآلية الدولية القائمة، لما اعتبرته “قصوراً في فعاليتها” في مواجهة التطورات الميدانية وتنامي القدرات الصاروخية للفصائل المسلحة جنوب الليطاني. وقد أثار هذا القرار مخاوف لبنانية ودولية من حدوث فراغ أمني في المنطقة الجنوبية، التي تُعتبر شرياناً استراتيجياً للبنان من ناحية الأمن المائي والزراعي، ومنطقة اتصال حساسة مع إسرائيل.
مضمون المبادرة الفرنسية-الإيطالية وموقف لبنان الرسمي
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عقب مباحثات مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، عن التوجه نحو إطلاق “ائتلاف دولي” يعمل بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لوضع آلية بديلة عن “اليونيفيل”، على أن تقوم هذه الآلية على دعم قدرات الجيش اللبناني تقنياً ولوجستياً، ومنع تحول الأراضي اللبنانية إلى منصة للتصعيد الإقليمي أو التوترات العابرة للحدود. وتُعدّ إيطاليا وفرنسا من أبرز الدول المساهمة بقوات في “اليونيفيل”، مما يمنح مبادرتهما ثقلاً سياسياً وميدانياً.
وفي هذا السياق، أصدرت الرئاسة اللبنانية بياناً اعتبرت فيه أن المبادرة الفرنسية-الإيطالية تمثل “التزاماً دولياً صادقاً بدعم سيادة لبنان واستقراره وأمنه”، وأشادت بالدور الذي تؤديه المؤسسة العسكرية اللبنانية في بسط سلطة الدولة وحفظ الأمن، لا سيما في المناطق الجنوبية المتاخمة للحدود. كما شدد الرئيس عون على أهمية “عدم ترك أي فراغ أمني خطير” بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، معرباً عن تطلع بلاده إلى أي صيغة دولية من شأنها تعزيز قدرات الجيش اللبناني وصون وحدة الأراضي اللبنانية واحترام سيادتها في مواجهة أي تحديات أمنية مستقبلية.
الموقف الأممي والتحذير من تداعيات الانسحاب
في منعطف موازٍ، كان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قد أكد في تصريحات سابقة هذا الشهر على ضرورة استمرار وجود دولي في لبنان بعد انتهاء ولاية “اليونيفيل”، محذراً من أن أي انسحاب قد يُحدث فراغاً أمنياً في الجنوب، يُستغل لتجدد العمليات العسكرية أو التسلل عبر الحدود، مما قد يُقوّض الاستقرار الذي تم تحقيقه بصعوبة خلال السنوات الماضية. وتُعبّر تصريحات غوتيريش عن قلق أممي من أن غياب قوة رادعة أو مراقبة في الجنوب قد يؤدي إلى عودة سيناريوهات 2006 أو ما هو أخطر، خصوصاً في ظل استمرار وجود جماعات مسلحة غير تابعة للدولة في بعض المناطق.
يمكن قراءة هذه المبادرة في ضوء التحولات الإقليمية والدولية الأوسع، حيث تسعى الدول الأوروبية إلى الحفاظ على دورها الفاعل في الشرق الأوسط، في وقت تتراجع فيه الأولويات الأمريكية تجاه بعض الملفات الأمنية في المنطقة. وتواجه المبادرة عدة اختبارات:
– مدى التوافق الدولي: إذ تبرز تساؤلات حول موقف روسيا والصين، بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن، من هذه المبادرة، وما إذا كانت ستُطرح في صيغة قرار أممي جديد يحظى بتوافق واسع.
– القدرات المالية واللوجستية: فالتحالف البديل يحتاج إلى تمويل مستدام وآليات نشر سريعة، لا سيما في ظل أزمة اقتصادية خانقة يعانيها لبنان نفسه.
– الرضى المحلي: لا سيما في الأوساط السياسية اللبنانية المنقسمة حول دور “اليونيفيل”، حيث يرى بعض الأطراف أن وجودها مقيد للسيادة، بينما تعتبر أطراف أخرى أنه ضرورة أمنية لا غنى عنها.
يمثل ترحيب لبنان بالمبادرة الفرنسية-الإيطالية خطوة دبلوماسية إيجابية نحو تثبيت استقرار جنوب البلاد، غير أنها ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة انتقالية دقيقة تتطلب إرادة سياسية دولية وإقليمية لتجاوز العقبات التي أحاطت بمسيرة “اليونيفيل” طوال عقود. ومع اقتراب الموعد النهائي لانتهاء التفويض نهاية العام، يُنتظر أن تشهد الأسابيع المقبلة مشاورات مكثفة في نيويورك وعواصم القرار الأوروبية والعربية للخروج بصيغة تحقق أهداف حفظ السلام دون المساس بالسيادة اللبنانية، مع الحفاظ على زخم التهدئة على الحدود الجنوبية الذي يُعد ركناً أساسياً في معادلة الأمن الإقليمي برمتها.



