السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • جلجامش يعتذر: قراءة نقدية في انحطاط الذائقة الأدبية والشعرية في العراق المعاصر
- أدب وفن

جلجامش يعتذر: قراءة نقدية في انحطاط الذائقة الأدبية والشعرية في العراق المعاصر

محمد حسين علي منذ سنوات والمشهد الأدبي والشعري في العراق، والانسان يشعر بقلق عميق يتحول تدريجياً إلى يقين مر: نحن أمام أزمة هوية وليست مجرد تراجع في المستوى. فالشعر العراقي، الذي كان على مدى عقود قبلة الأدباء في العالم العربي ونبضاً نابضاً بالحياة والثورة والحب والموت، صار اليوم هشاً بائساً، يتخبط بين تكرار مبتذل وتفاهة […]

محمد حسين علي

منذ سنوات والمشهد الأدبي والشعري في العراق، والانسان يشعر بقلق عميق يتحول تدريجياً إلى يقين مر: نحن أمام أزمة هوية وليست مجرد تراجع في المستوى. فالشعر العراقي، الذي كان على مدى عقود قبلة الأدباء في العالم العربي ونبضاً نابضاً بالحياة والثورة والحب والموت، صار اليوم هشاً بائساً، يتخبط بين تكرار مبتذل وتفاهة مدهشة ولغة هجينة لا تحمل روحاً ولا معنى. إنه شعر يجتر أحشاء نفسه، يتفاخر بالغموض السطحي، ويظن أن فقدان المعنى هو ذروة الإبداع.

حتى صار الأديب العراقي المعاصر، الذي يفترض فيه أن يكون وريثاً لعمالقة مثل السياب والبياتي ونازك الملائكة والجواهري، أشبه بمهرج يرقص على حبال القصيدة الرقمية والموجات العابرة، يلهث وراء “اللايك” و”الشارة” أكثر من لهثه وراء الكلمة التي تغير مجرى نهر.

لنتذكر أن ملحمة جلجامش هي أقدم نص أدبي معروف في التاريخ، ولد على أرض العراق، وقد جسد بقوة سعي الإنسان الخالد نحو الخلود والمعنى. جلجامش الذي تعلم أن الخلود الحقيقي هو في ترك أثر، في عمل يحفظ الذكرى، في بناء مدينة، في كتابة نص يخلد صاحبه.

لو عاد جلجامش اليوم إلى وادي الرافدين، إلى أرض العراق المعاصر، وأخذ يقرأ ما يسمى شعراً على صفحات الفيسبوك، وفي الأمسيات الثقافية المملة، وفي دواوين الأصدقاء التي لا يشتريها أحد، ما الذي كان سيشعر به؟ أعتقد بكل أسف أنه سيشعر بالخزي. ليس لأنه لا يفهم “الحداثة الشعرية” أو “ما بعد الحداثة”، بل لأنه سيعرف يقيناً أن أبناء بلده قد فقدوا البوصلة. سيرى نصاً بلا روح ونبضاً بلا معنى. سيتساءل: أين ذهب ذلك السر الذي جعل كلماته تعبر آلاف السنين؟ أين ذهبت تلك القدرة على تشكيل اللغة كالنحت على الصخر؟ ثم سيشعر بالحزن، ثم بالغضب، وفي النهاية سيريد الاعتذار.

اعتذار غريب: “أنا آسف لأنني جعلتكم تظنون أن الخلود ممكن بهذه السهولة. أنا آسف لأنني كتبت ملحمتي التي أوهمتكم أن الكلمة العظيمة تكتب بيوم وليلة. أنا آسف لأنني لم أحذركم من زمن يصبح فيه الشعر مجرد ثرثرة.”

إن ما أصاب الأدب والشعر في العراق اليوم ليس مجرد تراجع في الموهبة، بل هو انعكاس لأزمة أعمق: أزمة ثقافية ووجودية. المجتمع الذي ينشغل بقشيش الفساد والطائفية واستلاب الهوية، ينتج حتماً أدباً هزيلاً. لكن هذا ليس مبرراً. ففي أحلك فترات التاريخ، أنتج العراق شعراء كباراً قاوموا الظلم والجهل.

الخلاص أننا بحاجة إلى نقد ذاتي جريء. أن يعترف الشعراء أن كثيراً مما يكتبون اليوم لا يستحق أن يسمى شعراً. وأن يعودوا إلى أسئلة كبرى: لماذا أكتب؟ لمن أكتب؟ ما الذي أريد أن يبقى بعدي؟ وهل يليق بالعراق، بلد جلجامش والمتنبي والسياب، أن يرضى بهذا التدني؟

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026