السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • ​الصوص وفرخ البط.. حكاية من حوش بغدادي
- أدب وفن

​الصوص وفرخ البط.. حكاية من حوش بغدادي

رُلا موسى​في قلب بغداد، حيث تتشابك الأزقة وتهمس الشناشيل العتيقة بأسرار التعايشنشأ طفل في بيت مفعم بالحياةوذات يوم في ذلك الحوش الواسع اشترى هذا الطفل فرخين من الدجاج (صوصين) وفرخين من البط ولأنه رتب الأمور بحسن نية عزل كل ثنائية في صندوق كرتوني منفصل  واهباً إياهم نفس الرعايةوبعد مرور الوقت بدأت هذه الكتاكيت تكبر وشعرت […]

رُلا موسى
​في قلب بغداد، حيث تتشابك الأزقة وتهمس الشناشيل العتيقة بأسرار التعايش
نشأ طفل في بيت مفعم بالحياة
وذات يوم في ذلك الحوش الواسع اشترى هذا الطفل فرخين من الدجاج (صوصين) وفرخين من البط

ولأنه رتب الأمور بحسن نية عزل كل ثنائية في صندوق كرتوني منفصل

 واهباً إياهم نفس الرعاية
وبعد مرور الوقت بدأت هذه الكتاكيت تكبر وشعرت بالفضول لإستكشاف محيطها الواسع خارج أفق الكارتون
فقفزت مدفوعة بغريزة الحرية إلى فضاء الحوش المشترك
كانت تلك لحظة المواجهة الأولى.


شخصت أبصارهم بذهول متبادل وبدأوا يتأملون بعضهم بعضاً كانوا يتشابهون في وهن البدايات ونقاء الألوان لكنهم اختلفوا في شكل المناقير والأقدام
اختلاف طبيعي يثري المشهد.

وهنا توجسوا خيفه وحذر
​وضِع وعاء للطعام والشراب مشترك في المنتصف حيث كان الطفل يغرف منه ليطعمهم وهم صغار في البيت الكارتون
كان مورد واحد يتسع للجميع
لكن صغار الطيور شعرت بـ “أنانية بدائية”
فلم تتقبل فكرة الشراكة مع الآخر المختلف
تملكهم الخوف من ضياع الحصة فتولدت لديهم عقدة الاستهداف.
​لمعت في رأس أحد الصيصان فكرة إقصائية الاستئثار بالوعاء كاملاً عبر القوة
اندفع ينقر فرخ البط بعنف ليطرده بعيداً
تراجع البط بغريزة المحافظة على السلم
باحثاً عن زاوية أخرى لكن هذا الانكفاء فُسر كضعف، فزاد من شهوة الاستقواء لدى الصوص
​وقف الطرفان أمام الوعاء في هدنة هشة نظراتهم مشحونة بالترقب والتحدي كل منهما كان يتوقع غدراً من الآخر
بدأ التدافع والمزاحمة بعناد وسرعان ما تحول المشهد إلى صراع كر وفر أعمى صراع عبثي لفرض النفوذ
​وفي غمرة هذا الصدام الإقصائي حلت الكارثة التي لم يحسب لها أحد حساب
انقلب الوعاء! سقط الطعام وتبدد وسال الماء ليكتسح الأرضية، فابتلت الصناديق الكرتونية وتداعت جدرانها

ليجد الجميع أنفسهم بلا مأوى ولا قوت.


هدأ ضجيج المعركة وحلّ صمت ثقيل على الحوش البغدادي نظر الجميع بحسرة إلى الفوضى والخراب حيث أدركوا في هذه اللحظة أن رفضهم للآخر وعجزهم عن تقاسم الثروات المشتركة  لم ينتج عنه رابح وخاسر بل تسبب في دمار الوطن الصغير الذي كان يجمعهم
قال أحد الصيصان بانكسار:

لقد أدركنا الحقيقة بعد فوات الأوان
ليرد عليه الكتكوت الآخر بحزم:

لم يفت أي أوان بعد …

ما زال أمامنا متسع من الوقت لنتعلم كيف نتعايش


​فهمت الطيور كما يفهم أهل بغداد دائماً
أن الفروق الفردية والمكوناتية ليست عيباً بل هي “لوحة فسيفساء” يلون وجه المدينة ويمنحها هويتها الفريدة
وأن فكرة تذويب الفروق أو فرض التشابه بالقوة هي أكذوبة تنهك المجتمعات وتدمر بساطتها فصمام الأمان ليس في إلغاء الآخر بل في تقاسم الخبز والماء تحت سقف واحد

 وأن السعادة المشتركة هي الضمان الوحيد للبقاء.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026