السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • خوف “أمل” الجزء 4
- أدب وفن

خوف “أمل” الجزء 4

أمل: إنها رسالة من ضابط الأمن. – ازداد عندها الخوف والقلق. واحتارت في أمرها. وتبادرت إلى ذهنها صورٌ عدّة لفحوى الرسالة، التي ربما تكون فيها نهايتها المتوقّعة، وقرار نوع إعدامها الذي قد قررته المحكمة، وهذا مؤكد بعد سيل الاتهامات التي ذكرها رجل الأمن أمامها. عندها قررت عدم قراءتها وانتظار أن يحضر رجل الأمن ورجاله بصحبة […]

أمل: إنها رسالة من ضابط الأمن.

– ازداد عندها الخوف والقلق. واحتارت في أمرها. وتبادرت إلى ذهنها صورٌ عدّة لفحوى الرسالة، التي ربما تكون فيها نهايتها المتوقّعة، وقرار نوع إعدامها الذي قد قررته المحكمة، وهذا مؤكد بعد سيل الاتهامات التي ذكرها رجل الأمن أمامها. عندها قررت عدم قراءتها وانتظار أن يحضر رجل الأمن ورجاله بصحبة (عشماوي) لينفّذوا حكم الموت بها شنقًا أو رميًا بالرصاص. لكن عينيها ودون إرادتها قرأتا الرسالة.

أمل: من رجل الأمن إلى السيدة (أمل). ليس هناك داعي للشنق أو الرمي بالرصاص. نحن آسفون، أنت بريئة من موت عبد الحميد… فقد كانت القارورة عبارة منشّط للفوز بالسباق. يبدو أنه كان قد بذل جهدًا غير مسبوق بالنسبة لعمره، مما أدى إلى سكتة قلبية.

– تضحك أمل بكل ما أوتيت من قوة.

أمل: ظننتُهم قد قرّروا طريقة تنفيذ حكمهم بحقي شنقًا أو رميًا بالرصاص، أو قد يكون الكرسي الكهربائي مثلًا بديلًا عنهما، حينما عرفوا أني أخاف الموت بهاتين الطريقتين. لكنهم أخيرًا عرفوا أني بريئة. حمدًا لله، لقد انتهت عذاباتي. ماء… أحتاج أن أشرب ماء، فقد يبس فمي من شدّة الخوف.

– تتحرك أمل نحو المطبخ، إذ يندفع باب الدار بقوة وتدخل امرأة ضخمة الجثّة وهي بملابس سوداء.

سليمة: أين أنت أيتها السارقة، الزانية اللعينة؟ حقًا إن لم تستحي فاصنع ما شئت… أفعى رقطاء، كيف لك أن تسرقي مني زوجي؟ ما كان ينقصك لتفعلي كل ذلك؟ أيتها الجارة المسكينة كما تتدّعين… أين هو الآن؟! قولي، كلّميني.

– تبحث سليمة في أرجاء المكان عن زوجها عبد الحميد.

سليمة: هل هو في غرفة نومك؟! أم في حمامك؟… أم أخفيتيه وسط فراشك العتيق؟… لا تكذبي، فقد رآه إحدى جاراتي وهو يتسلّل ويدخل بيتك فجرًا، وما زال بالداخل ولم يخرج. اذهبي وناديه… وإلا سأنادي بناتي وأولادي ليضربوك ضربًا مبرحًا، ثم يقطعوا أوصالك إلى قطع صغيرة لا تُرى بالعين أو المجهر. أيتها الشيطانة… بهيئة امرأة. أين تختبئين عني؟ لن تبرحي البيت في كل الأحوال، فأنا بانتظارك عند الباب، وعندها سأمسح بك بلاط الشارع.

– (أمل) تصعق قبل أن ترشف بعض الماء من القدح الذي أخرجته من ثلاجة المطبخ، وهي تسمع صوت سليمة المتهجّمة عليها. وهي تعرفها وتعرف صوتها المدوّي في المكان، فقد سبق أن اشترت منها بعض الخبز في مرات عديدة وقت الظهر أو العصر حينما ينفد عندهم الخبز، فهم عائلة كبيرة ويستهلكونه بكثرة. لكنها لم تعهدها أن ترميها بهذا السيل الجارف من الشتائم.

هنا تقرر (أمل) أن تترك قدح الماء وتخرج إليها بشجاعة وتقف ضدها ندًّا قويًّا، فهي زوجة حالها حال (سليمة) وليس لها الحق في شتمها ولصق الصفات السيئة بها.

قررت (أمل) أن تكون امرأة كباقي النساء تدافع عن كيانها وشخصيتها، عن ذاتها وعن بيتها، فتنبري لها من باب المطبخ نحو باب البيت الخارجي الذي دخلت منه سليمة وتوقفت عند عتبته.

أمل: وهل يحب الرجال الملائكة أم الشياطين؟!!! كيف له أن يترك ملاكًا مثلك ويقترب من شيطانة مثلي كما تقولين؟!!! أيتها البدينة، لا يُرى رأسك من جسدك. لقد تفلّت من يدك كحبات الكهرمان التي تساقطت من خيطك البالي. ومع ذلك فالرجال هذا هو ديدنهم… ولا تستطيع النساء أن تحيدهم عنه… إنهم جوعى الشهوات. أما عبد الحميد… فهو يختلف عن باقي الرجال… لكن… لقد صعدت روحه إلى السماء، ترفرف مثل طير سلام أبيض فيه الحنان. لقد مات. لقد مات. لقد مات. عبد الحميد على فراشي باطمئنان. كم مرة يجب أن أقولها لك أيتها الحمقاء. فتبًّا لك وتبًّا للجيران وللعيون الصفراء والعقارب التي تنظر فرائسها.

– يصحو طفلا (أمل) من النوم بضحكاتهما الجميلة وهما يحضنان أمهما بحنان. تحدق سليمة بهذا المنظر بصمت ونار حارقة تحرق الأخضر واليابس تشتعل في محجري عينيها. ثم تغادر المكان وهي غاضبة لا تدري ما عليها أن تفعل. انتهى هذا اليوم رغم كل المعاناة، بدقائقه وساعاته، بفجره وظهره وليله. انطوت صفحة من صفحات الأيام الطويلة.

– نسمع صوت أذان الفجر مدويًّا في المكان. تصحو من نوم عميق مع صوت الأذان الفجر مذعورة خائفة وأنفاسها متسارعة وشعرها يغطي وجهها، وبعض اللعاب الأبيض ينزل من فمها.

أمل: ما كل هذه الكوابيس؟ مللتها، ومللت زيارتها لي كل ليلة. متى سينتهي كل هذا؟ متى؟ عليَّ أن أسرع بعمل الخبز قبل أن ينتهي المصلون من صلاتهم.

– تتجه نحو صور أبي أولادها…

أمل: ها أنا أصنع الخبز كل يوم… وأبيعه لمصلّي الفجر وهم يمرّون من أمام باب بيتي يتوقفون كأعواد خشب متصلّبة عندما تداعب أنوفهم ريحة الخبز الحار، فيشترونه مني وهم يكرمونني فوق سعره، إكرامًا منهم لعملي الشريف، وخاصة الحاج عبد الحميد الرجل الصالح الذي يكرمّني بعطاياه دائمًا. أتمنى من الله أن يحفظه لعياله وزوجته الحاجة سليمة.

مرت سنين عدّة. كان عملي يغطي احتياجاتي واحتياجات أولادي (عبد الله) و(مهيمن) حتى جاء أمر الله النافذ وتوفي الحاج عبد الحميد، وانتقل إلى الرفيق الأعلى عند ربّه. كان الحزن شديدًا عليه مني ومن أهله وأهل الزقاق وكل من كان معه في المسجد. حتى أن المؤذن الذي حل محله في أداء الأذان قد غيّروه عدة مرات حتى استقروا على المؤذن حاج (ياسين) الذي كان صوته مشابهًا لصوت حاج عبد الحميد.

(أمل) تحاول إدخال خيط في إبرة الخياطة. فشلت محاولتها الأولى، والمرة الثانية، والمرة الثالثة تنجح في إدخال الخيط في فتحة الإبرة. تمسك المقص وتقص أطراف بنطلون ولديها بلون قهوائي باهت. ابنها (عبد الله 13 سنة) يجلس أمامها، يحدق إليها ثم إلى البنطال بغضب.

عبد الله: قلت لك لن ألبس هذه الخرقة.

أمل: إنه بنطال ابن خالتك. هل تستعير من هذا الأمر؟

عبد الله: لقد أخبرتك مرارًا وتكرارًا لن ألبس ما لبسه غيري.

أمل: وماذا عليَّ أن أفعل، وأنت قد مزّقت بنطالك وأنت تلعب كرة القدم مع زملائك في المدرسة؟ كيف لي أن أدفع بعض المال لشراء بنطال جديد؟ وعليَّ أيضًا أن أدفع بدل إيجار الدار وبدل (المولد الكهربائي) والتسوق لحاجيات البيت. ها؟

عبد الله: أوه… لقد مَلَّتْ هذه الأسطوانة المتكررة كلما طلبنا منكِ شيئًا نشتريه!

عبد الله يترك أمه منزعجًا ويذهب إلى داخل غرفة النوم. تبقى أمل تحدق إليه وهو يسير باتجاه الغرفة. تحزن. وتنزل دموعها على خديها… لكنها تعاود الخياطة وتقريم البنطلون. نرى دموعها تقع فوق إبرة الخياطة وعلى قماش البنطال… عيونها بدأت تحمر. تمسك رأسها بيدها بيدها. تشعر بدوران. وغواشٍ يسري في عينيها تذهب بها إلى عوالم أخرى غير عوالم المكان، لكن يديها تشتغلان بخياطة وتقريم البنطال. يد أحدهم تطرق باب دار أمل، تفزع على صوت طرق الباب الذي تسمعه من خارج الكادر. تنتبه (أمل) إلى صوت طرق الباب. فتنهض من مكانها بعد أن تترك الإبرة والخيط والبنطلون. تتقدم باتجاه الباب الخارجي من خلال ممر يؤدي إليه. وتفتحه بهدوء. ترى جارهم (أبو محمود 40 سنة) يقف عند الباب.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026