السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • أزمة التجديد في الفكر اليساري العربي: من الجمود الأيديولوجي إلى العجز السياسي
- فكر ودراسات

أزمة التجديد في الفكر اليساري العربي: من الجمود الأيديولوجي إلى العجز السياسي

آكار تاج الدين ارتبط اليسار العربي تاريخيًا بأحلام التحرر الوطني، والعدالة الاجتماعية، ومقاومة الاستبداد والاستغلال. لكن منذ نهاية القرن العشرين، ولاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وما يعرف بـ”نهاية التاريخ”، دخل اليسار العربي في أزمة عميقة غير مسبوقة. لم تكن الأزمة مجرد انكسار أيديولوجي، بل كانت أزمة وجود ودور. فبينما تحولت مجتمعات المنطقة إلى مسارح للتحولات […]

آكار تاج الدين

ارتبط اليسار العربي تاريخيًا بأحلام التحرر الوطني، والعدالة الاجتماعية، ومقاومة الاستبداد والاستغلال. لكن منذ نهاية القرن العشرين، ولاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وما يعرف بـ”نهاية التاريخ”، دخل اليسار العربي في أزمة عميقة غير مسبوقة. لم تكن الأزمة مجرد انكسار أيديولوجي، بل كانت أزمة وجود ودور. فبينما تحولت مجتمعات المنطقة إلى مسارح للتحولات العنيفة (الحروب الأهلية، صعود النيوليبرالية المتوحشة، تفكك الدولة، وتغلغل الطائفية السياسية)، بقي اليسار العربي مشلولًا، متأرجحًا بين منادمة السلطة وشرعنتها، أو الانكماش في زوايا الماضي. السؤال الجوهري: لماذا تخلف اليسار العربي عن ركب التحولات ولم يعد قادرًا على تقديم ردود على احتياجات المجتمع الملحة؟

أولاً: التبعية للنموذج الخارجي وأزمة الاستيراد الأيديولوجي

واحدة من أهم أسباب الجمود هي العلاقة شبه التلميذية التي ربطت اليسار العربي بمراكز الثقل اليساري العالمية، وخصوصًا موسكو خلال الحرب الباردة. هذا التبعية تجسدت في مقولة ساخرة لكنها معبرة: “إذا أمطرت في موسكو، فتح اليساري العربي مظلته”. هذه العقلية أنتجت خطابًا منفصلاً عن السياق المحلي، حيث كانت التجارب الاشتراكية في أوروبا الشرقية وآسيا تُقدس كنماذج نهائية، ما حال دون تطوير تصورات عربية أصيلة تنبع من خصوصية المجتمعات العربية (الإسلام، القبلية، الاقتصاد الريعي، مسألة الأقليات). تحولت النظريات الاشتراكية إلى “عقائد مغلقة” لا تقبل النقد الذاتي أو المراجعة الجذرية، وهذا ما يفسر فشلها في تقديم إجابات لأزمات ما بعد الاستعمار والاستبداد.

ثانياً: الدوغمائية واحتكار الحقيقة

تحول الفعل السياسي اليساري من ممارسة ديمقراطية قائمة على الجدل والتأويل إلى طقوس أيديولوجية جامدة. أصبح “الخط الصحيح” كلمة السر، وكل دعوة للتجديد أو لمسائله المسلمات اليسارية كانت تُعتبر خيانة أو انحرافًا. هذا الموقف الدوغمائي جعل من المستحيل على اليسار العربي أن يخوض عملية “اجتهاد” فكري مماثلة لتلك التي شهدتها اليسارية الأوروبية (كالتخلص من الماركسية الميكانيكية، أو الانفتاح على القضايا البيئية والنسوية وما بعد الكولونيالية). بدلًا من ذلك، تحول اليسار العربي إلى طائفة مغلقة من “الدوغمائيين” الذين يرددون شعارات عتيقة لا تمس واقع المواطن الذي يعاني من البطالة، وتآكل الخدمات العامة، والتفتت الطائفي.

ثالثاً: كبت القيادة للطاقات الشابة

اليسار الذي لا يتجدد يموت. لكن القيادات اليسارية العربية القديمة أظهرت خوفًا مرضيًا من التغيير الداخلي. لم تُفسح المجال للأجيال الصاعدة، بل تم إقصاؤها بحجة عدم “النضج السياسي” أو “عدم الالتزام بالأصول”. هذه البنية البطريركية داخل الأحزاب اليسارية (التي تفترض مساواة في خطابها) حالت دون ضخ دماء جديدة تحمل أفكارًا مبتكرة حول قضايا العصر: الرقمنة، حقوق المهمشين، البيئة، أو حتى أشكال جديدة من التنظيم خارج إطار الحزب المركزي الجامد. النتيجة: أصبحت مراكز القرار في اليسار بيد قيادات هرمة، تعيش على أمجاد الماضي، وتنظر إلى الشباب كتهديد وليس كفرصة.

رابعاً: الهشاشة أمام التيارات الدينية والطائفية

من المفارقات المأساوية أن يسارًا كان يدّعي الاحتكار العلمي لفهم التاريخ والمجتمع، أصبح هشًا وسهل الاختراق من قبل تيارات دينية وطائفية. لم يعد اليسار قادرًا على تقديم خطاب إنساني جامع يتجاوز هواجس الهوية. وهنا وصل الأمر إلى حد أن بعض هذه القيادات اليسارية باتت تُقاد (سياسيًا وتحالفًا) من قبل أطراف طائفية (سنية أو شيعية)، متنازلة عن علمويتها وجامعيتها مقابل حماية أو مقاعد. هذا التخلي عن الجوهر العالمي لليسار دفعه إلى فخ الشرذمة، حيث أصبح مجرد ملحق في معادلات مذهبية أو إقليمية، وفقد قدرته على مخاطبة الجماهير ككتلة واحدة من المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم.

خامساً: التحول إلى نخب برلمانية صامتة

السيناريو الأكثر إيلامًا هو تحول اليسار العربي من قوة تغيير جماهيرية إلى “جهة لوجستية” تهمها الحصص والمقاعد. جلّ همّ قياداته اليوم هو نيل كم من المقاعد في البرلمان، أو حقيبة وزارية، أو منصب في إدارة محلية. بمجرد الحصول على هذه المكاسب، يسود صمتٌ مطبق على أي انتهاك أو فاجعة مجتمعية. لا صوت يُسمع لليسار إزاء عمليات التعذيب في السجون، ولا تجاه الجوع والفقر المدقع، ولا تجاه الحروب التي تدمير المدن. أصبح “صمت القبور” صفة ملازمة له. هذه البراغماتية الرخيصة جعلت المواطن العادي لا يفرق بين سياسي يساري وأي سياسي نيوليبرالي أو طائفي: فالجميع يركضون وراء الكراسي والامتيازات.

نحو يسار جديد أم شهادة وفاة؟

أسباب التأخر التي تم تشخيصها (التبعية، الدوغمائية، إقصاء الشباب، الهشاشة الطائفية، والانتهازية البرلمانية) تشكل حلقة مفرغة من الجمود. لا يمكن لليسار العربي أن يخرج من عزلته التاريخية إلا من خلال جراحة فكرية جذرية: المراجعة النقدية الكاملة لإرثه الأيديولوجي، والتخلي عن النخبوية والبيروقراطية الداخلية، والانفتاح الحقيقي على الاحتجاجات الاجتماعية الجديدة (بغض النظر عن كونها “غير نظيفة” أيديولوجيًا)، واستعادة دوره كصوت للمضطهدين وليس كشريك صامت في النظام القائم. بدون هذه الثورة الذاتية، سيبقى اليسار العربي مثالًا حيًا على مأساة الفكر الجامد في عالم متحرك، وسيستمر تأخره حتى يتحول إلى مجرد نقش في سجل التاريخ.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026