
هادي حيدر
أولاً، سقراط لم يكتب شيءً كل ما نقل عنه هو عن طريق تلميذه أفلاطون أو المؤرخ كسينوفون.
لماذا قال (أو قيل عنه) هذا الكلام في عصره؟
في القرن الخامس قبل الميلاد، ظهرت حركة “السفسطائيين” (Sophists). هؤلاء كانوا معلمين يتقاضون أجوراً مرتفعة، وكانوا يهتمون جداً بمظهرهم الفخم، وبلاغتهم اللغوية، وقدرتهم على الإقناع حتى لو كان الكلام باطلاً. سقراط كان يحارب هذه السطحية؛ كان يرى أن السفسطائيين يملكون “مظهراً وبلاغة” ولكن عقولهم فارغة من الحقيقة والعدالة. من هنا جاءت فكرة “لا تقيسوا الناس بالمظهر”.
ثانياً، علينا معرفة كيف كانت حياة اليونان في العصر الكلاسيكي اليوناني (القرن الخامس قبل الميلاد)؛ فقد عاش سقراط (470-399 ق.م) في “العصر الذهبي” لأثينا، وهي فترة تميزت بالنهضة الثقافية والديمقراطية المباشرة، وتخللتها صراعات سياسية وحروب طاحنة مثل الحرب البيلوبونيزية. وتميزت الحياة اليومية آنذاك بالتركيز على الشأن العام والجدل الفلسفي في الساحات العامة، بينما كانت المرأة تُستبعد تماماً من الحياة السياسية.
حيث اتسمت الحياة الاجتماعية والفكرية في اليونان خلال تلك الحقبة بالملامح التالية:
الحياة السياسية والمجتمعية:
الديمقراطية الأثينية: كانت أثينا مركزاً للحكم الديمقراطي المباشر، حيث كان يحق للمواطنين (الذكور الأحرار فقط) التصويت في الجمعيات وتقرير شؤون المدينة.
طبقية المجتمع: اعتمد الاقتصاد اليوناني بشكل أساسي على طبقة العبيد الذين قاموا بالأعمال الشاقة والزراعة، مما أتاح للرجال الأحرار وقتاً للتفرغ للسياسة والفلسفة.
دور المرأة: كانت حياة النساء محصورة غالباً داخل المنزل، حيث كُنَّ مسؤولات عن إدارة الشؤون المنزلية وتربية الأطفال دون أي حقوق سياسية.
الحياة الثقافية والدينية:
الأساطير والآلهة: سيطرت المعتقدات الوثنية والأساطير على الحياة اليومية لليونانيين، وكان لكل مدينة راعٍ من الآلهة (مثل الإلهة أثينا)، حيث بُنيت المعابد الضخمة تكريماً لهم.
الفنون والمسرح: كان المسرح جزءاً أساسياً من الثقافة اليونانية (التراجيديا والكوميديا)، حيث شكلت المهرجانات الدينية منصة لعرض الأعمال الفنية الكبرى.
الأسواق العامة (الأغورا): كانت الأغورا القلب النابض للحياة اليومية، حيث تتقاطع فيها التجارة مع السياسة، وتُناقش فيها الأخبار والشؤون العامة.
ثالثاً، إن وجوه التطابق بين العصور القديمة الفلسفية والعصر الحالي الذي تميز بالحداثة تختلف كثيراً؛ ومن الأمثال العربية الشعبية: “حدِّث العاقل بما يعقل، فإن صدّق فلا عقل له”. فليس من المعقول أن آتي بكلام تاريخي وأطبقه على مجتمع معاصر من دون نقد، فإن عالمنا المادي نسبي وليس مطلقاً، وكذلك الأمثال.
لذلك، فإن النظرة الأولى اليوم هي الانطباع الأول عنك: (ملابسك، شعرك، عطرك، بل كلامك الأول)؛ فماذا أفعل بعقلك إن كانت رائحتك غير مريحة، أو كانت ألفاظك ليست بمستوى يليق بمكانتك؟
إن المظهر ليس مجرد قشور، بل هو عتبة البيت؛ فما فائدة أن يكون البيت من الداخل مرصعاً بالذهب والياقوت (العقل والعلم)، وبابه الخارجي يعلوه الغبار وتنبعث منه رائحة منفّرة؟ لن يجرؤ أحد على الدخول أصلاً ليكتشف تلك الكنوز.
لقد فُهِم كلام سقراط بشكل مشوّه؛ فالزهد في المظهر لا يعني الإهمال، والتركيز على الجوهر لا يعني إعدام المظهر. فالأناقة، والنظافة، والطيب، واللفظ المنتقى، هي لغة صامتة تخبر الناس مَنْ أنت قبل أن تفتح فمك.
اليوم، الانطباع الأول ليس سطحية من المجتمع، بل هو احترام متبادل؛ فمن يراك نظيفاً، طيب الرائحة، عذب اللفظ، يشعر بأنك تحترم وجوده وتحترم المكان الذي يجمعكما.
الخلاصة:
الان المجتمع ضخم متكون من عدد من الطبقات والمرأة تشارك الرجل بكل شيء تقريباً فإن كل شيء مختلف عن ذلك العصر، ضروري جداً مراعاة المظهر الخارجي والذوق العام.


