السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • من يحكم الوطن… المجتمع أم رأس المال؟
- فكر ودراسات

من يحكم الوطن… المجتمع أم رأس المال؟

 أ. د ساجد الشرقي  لم يكن تصريح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الرافض للاشتراكية بوصفها عقيدة لا تحقق التنمية ولا العدالة الاجتماعية مجرد رأي اقتصادي عابر، بل كان انعكاساً لبنية فكرية وسياسية تشكلت داخل بيئة الرئيس نفسه التي تؤمن بمنطق السوق والتجارة والاستثمار الخاص بوصفه الطريق الوحيد للنهوض. فالرجل جاء من واقع إداري ومالي يرى […]

 أ. د ساجد الشرقي

 لم يكن تصريح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الرافض للاشتراكية بوصفها عقيدة لا تحقق التنمية ولا العدالة الاجتماعية مجرد رأي اقتصادي عابر، بل كان انعكاساً لبنية فكرية وسياسية تشكلت داخل بيئة الرئيس نفسه التي تؤمن بمنطق السوق والتجارة والاستثمار الخاص بوصفه الطريق الوحيد للنهوض. فالرجل جاء من واقع إداري ومالي يرى الاقتصاد بعين الشركات والمقاولات وحركة الاستثمار، لا بعين الدولة الاجتماعية التي تنظر إلى المجتمع بوصفه وحدة متكاملة لا مجرد سوق استهلاكية أو تنافسية.

غير أن التجربة التاريخية للاقتصاد الرأسمالي تكشف أن الحرية المطلقة للسوق لا تعني العدالة، بل غالباً ما تعني تعاظم الفوارق الطبقية. إذ، إن الرأسمالية بطبيعتها تميل إلى تركيز الثروة بيد الأقوى مالياً، بحيث يزداد الغني غنىً بينما يتسع هامش الفقر والتهميش، وهذا ليس تنظيراً ايديولوجياً بقدر ما هو وصف لبنية النظام الرأسمالي نفسه، حيث تتحول الدولة تدريجياً من راعٍ للمجتمع إلى حارس لمصالح رأس المال.

وعندما تقود السياسة الاقتصادية القرار السياسي تصبح الدولة أسيرة رجال المال والشركات الكبرى، فتتراجع العدالة الاجتماعية لحساب الربح والمنفعة الخاصة.

لقد عانى العراق بعد عام 2003 من هذا الخلل بصورة واضحة. إذ، جرى تفكيك القطاع العام وفتح السوق بلا ضوابط، وتحولت الدولة إلى وسيط ريعي يعتمد على النفط والاستيراد، بينما تراجعت الصناعة والزراعة والخدمات الانتاجية.

وفي ظل هذا الانفتاح غير المنظم ظهرت طبقة طفيلية راكمت الثروات عبر الفساد والعقود والاحتكار، مقابل اتساع البطالة والفقر وضعف الخدمات. وهكذا لم ينتج الاقتصاد الحر في العراق تنمية حقيقية، بل العكس، فهو عمق التبعية وربط البلاد بالسوق الخارجية.

في المقابل، فان جوهر الفكرة الاشتراكية لا يقوم على مصادرة الحريات كما يروج خصومها، إنما على إشراك المجتمع في الثروة والأرباح ومنع احتكار الموارد بيد قلة. 

فالاقتصاد الاشتراكي يمنح الدولة دوراً تخطيطياً في توجيه التنمية وتوزيع الثروة وفق حاجات المجتمع، لا وفق مصالح السوق وحدها. والدولة هنا لا تكون تاجراً، بل ضامناً للتوازن الاجتماعي وحامياً للطبقات الضعيفة ومشرفاً على إدارة الموارد الاستراتيجية بما يخدم الجميع.

ولعل المفارقة الكبرى أن حتى الدول الرأسمالية نفسها لم تستطع الاستغناء عن كثير من السلوك الاشتراكي، فالدعم الحكومي والرعاية الصحية والتعليم المجاني والضرائب التصاعدية والتأمينات الاجتماعية كلها إجراءات ذات جذور اشتراكية، فرضتها الحاجة إلى حماية المجتمع من وحشية السوق المطلقة  “بمعنى أن الرأسمالية ذاتها اضطرت إلى الاقتراض من الفكر الاشتراكي كي تحافظ على استقرارها الداخلي”.

أما على المستوى الدولي، فإن جشع الرأسمالية الاميركية وتحالف السلطة مع رأس المال المالي العملاق هو الذي منح الولايات المتحدة نزعتها الامبريالية وهيمنتها على العالم، فحين تتحول الشركات العابرة للقارات والمصارف الكبرى إلى محرك للسياسة الخارجية يصبح التدخل العسكري والضغط الاقتصادي والعقوبات جزءاً من حماية مصالح رأس المال العالمي ” كما هو الحال الراهن”.

  ولهذا لم تكن الهيمنة الاميركية مجرد مشروع سياسي، بل نتيجة طبيعية لتضخم سلطة المال داخل النظام الرأسمالي نفسه.

ومن هنا تبدو الحاجة العراقية اليوم ليست إلى تبني اشتراكية جامدة أو رأسمالية منفلتة، بل إلى صيغة توازن وطني تجمع بين قطاع عام قوي وقطاع خاص منتج.

فالدولة التي تترك كل شيء للسوق تفقد استقلالها الاجتماعي والسياسي، بينما الدولة التي تخنق المبادرة الفردية تفقد الحيوية الاقتصادية. ولهذا فأن النموذج الأقرب للنجاح هو النموذج الذي يجعل الدولة ممسكة بالقطاعات الاستراتيجية والثروات الكبرى، مع فتح المجال للقطاع الخاص في إطار وطني منظم.

وتجربة الصين تقدم مثالاً مهماً في هذا المجال. فالصين لم تنجح لأنها تخلت عن الاشتراكية، بل لأنها أعادت توظيفها بمرونة، فحافظت الدولة على التخطيط والسيطرة على الموارد الكبرى مع السماح للسوق بالعمل تحت سقف المصلحة الوطنية. ولذلك تحولت إلى قوة عالمية مستقلة القرار. بينما بقيت اليابان رغم تطورها الصناعي مرتبطة بالمظلة الاميركية سياسياً وعسكرياً، لأن نهضتها تمت ضمن النظام الرأسمالي الغربي وشروطه الاستراتيجية.

أن أزمة العراق ليست أزمة اشتراكية أو رأسمالية فقط، بل أزمة غياب رؤية وطنية اقتصادية مستقلة، فالاقتصاد العراقي اليوم مستهلك أكثر منه منتج، والدولة فقدت قدرتها على التخطيط طويل الأمد بسبب المحاصصة والفساد والتبعية. ولهذا، فأن أي حديث عن التنمية لا يمكن أن ينجح ما لم يعد بناء القطاع العام الانتاجي، وتحقيق سيادة اقتصادية حقيقية، ومنع تحول الدولة إلى مجرد شركة كبيرة تديرها المصالح التجارية والسياسية الضيقة ” كما ذهب الرئيس!”..

وربما كان الأجدر برئيس الوزراء أن ينظر إلى الاشتراكية لا بوصفها خصماً ايديولوجياً، بل بوصفها مدرسة فكرية ساهمت في ترسيخ مفاهيم العدالة الاجتماعية وحماية الفقراء وتنظيم علاقة الدولة بالسوق. فالدول لا تبنى بالشعارات الاقتصادية المطلقة، بل بالتوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين الاستثمار والكرامة الوطنية، وبين السوق وحق المجتمع في الثروة والسيادة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026