
بسام البديري
كلما اهتز الرأي العام على وقع جريمة اغتصاب طفل يتقدم أحدهم بخطوة واثقة ليقول: “إنه مريض نفسي”.
تخرج العبارة بسرعة مذهلة كأنها سيارة إسعاف جاءت لإنقاذ الجاني لا الضحية.
لا أحد يسأل أولاً عن الطفل الذي تحطمت ثقته بالعالم ولا عن السنوات التي سيقضيها وهو يحاول ترميم ذاكرة مزقتها يد آثمة.
ينشغل كثيرون بتشخيص المعتدي قبل أن يعترفوا بوجود الضحية وكأن المجتمع يبحث عن عذر للجريمة أكثر مما يبحث عن تفسير لها.
لكن هل كل من يغتصب طفلاً مريض نفسي فعلاً؟
هذا السؤال يبدو قاسياً لكنه ضروري.
لقد أمضى الطبيب النفسي النمساوي سيغموند فرويد سنوات طويلة في دراسة الرغبات البشرية والدوافع الخفية لكنه لم يقل يوماً إن وجود رغبة منحرفة يعفي الإنسان من المسؤولية الأخلاقية.
فالحضارة في جوهرها ليست إشباع الرغبات بل السيطرة عليها. وإلا لتحولت المدن إلى غابات والأخلاق إلى نكتة قديمة. وفي الجانب الآخر يقف الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي ليطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً..
ماذا لو كان الشر قراراً واعياً؟
في رواية الجريمة والعقاب لا يبدو المجرم مجنوناً بالمعنى الطبي بل إنساناً قادراً على التفكير والتخطيط والتبرير. لقد فهم دوستويفسكي مبكراً أن أخطر الجرائم لا يرتكبها الجنون دائماً بل قد يرتكبها عقل يعرف جيداً ما يفعل.
إن وصف مغتصب الأطفال بالمريض النفسي يمنح المجتمع راحة مؤقتة فالمرض حالة استثنائية أما الشر فهو احتمال بشري مخيف.
وعندما نضع الجاني داخل خانة المرض نطمئن أنفسنا بأنه مختلف عنا تماماً وأن المشكلة انتهت بمجرد عزله أو علاجه.
غير أن الفيلسوفة الألمانية هانا أرندت كانت ترى شيئاً مختلفاً حين تحدثت عن (تفاهة الشر). فقد لاحظت أن بعض أبشع الجرائم في التاريخ لم يرتكبها وحوش أسطوريون بل أشخاص عاديون للغاية. أشخاص يعودون إلى بيوتهم مساءً ويتناولون العشاء وينامون بهدوء بعد أن ارتكبوا ما لا يمكن تصوره.
وهنا تكمن المعضلة.
فنحن نحب فكرة الوحش المجنون لأنها تبسط العالم أما الحقيقة فغالباً أكثر قسوة وتعقيداً. الحقيقة أن بعض المعتدين يدركون تماماً ما يفعلون. يختارون ضحاياهم بعناية ويستغلون ضعفهم ويهددونهم بالصمت ويخفون آثار جرائمهم سنوات طويلة وهذه ليست أعراض انهيار عقلي بل مؤشرات على وعي كامل بالفعل ونتائجه.
المثير للقلق أن كلمة (مريض) قد تتحول أحياناً إلى نوع من الغفران الاجتماعي غير المقصود. فبدلاً من النظر إلى الجريمة بوصفها اعتداءً متعمداً على أضعف أفراد المجتمع تتحول إلى ملف طبي يحتاج إلى تشخيص.
لكن الطفل الذي تعرض للاعتداء لا يعيش داخل تقرير طبي.
إنه يعيش داخل ذاكرة.
ذاكرة قد تلاحقه لعقود وقد تظهر في أحلامه وفي خوفه من الآخرين وفي ارتباكه أمام الحب والثقة والحياة نفسها.
لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كان بعض المعتدين يعانون اضطرابات نفسية أم لا. فالعلم يثبت أن بعضهم قد يعاني بالفعل من اضطرابات أو انحرافات جنسية.
السؤال الأهم هو:
لماذا نستعجل البحث عن المرض في الجاني أكثر من بحثنا عن العدالة للضحية؟ ربما لأن الاعتراف بوجود الشر الحرّ أكثر إزعاجاً من الاعتراف بوجود المرض. فالمرض يمكن علاجه. أما الشر حين يسكن إنساناً يعرف ما يفعل فذلك يجبرنا على مواجهة حقيقة مرعبة..
أن الخطر لا يأتي دائماً من العقول المريضة بل أحياناً من العقول التي اختارت أن تتخلى عن إنسانيتها.
وعندما يحدث ذلك لا تكون الجريمة اعتداءً على طفل واحد فقط بل اعتداءً على الفكرة التي قامت عليها الحضارة منذ آلاف السنين..
أن الأقوياء وُجدوا لحماية الضعفاء لا لافتراسهم.


