
عبد الرحمن أحمد عبد الحميد
يعيش الشباب العراقي اليوم مرحلةً تُعد من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ الأجيال المعاصرة، إذ يقف بين إرثٍ ثقيل من التحديات وبين طموحاتٍ واسعة تتطلع إلى مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية ضمن المجتمع، بل هم حالة فكرية وإنسانية تمثل الحركة الدائمة نحو التغيير، والرغبة المستمرة في البحث عن معنى أعمق للحياة والوجود.
وفي ظل الظروف الراهنة التي يشهدها العراق، تتداخل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع الأحلام الفردية للشباب، فتتشكل معادلة صعبة تجمع بين الأمل والقلق، وبين الرغبة في البقاء والإصرار على التقدم. ومع ذلك، فإن الشباب العراقي أثبت مرارًا أنه قادر على تحويل المعاناة إلى دافع، والعقبات إلى فرص، والإحباط إلى قوة تدفعه نحو صناعة مستقبل مختلف.
ومن منظور فلسفي، يمكن القول إن الإنسان لا يُقاس بحجم ما يملكه من فرص، بل بقدرته على إيجاد المعنى وسط الصعوبات. فالفيلسوف لا يبحث عن الطريق السهل، وإنما يتأمل الطريق ذاته، ويسأل:
كيف يمكن للمحنة أن تصنع شخصية أكثر قوة؟ وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته وسط عالم متغير؟ وهنا تتجلى قيمة الشباب العراقي، فهم يعيشون هذه الأسئلة يوميًا، ويحاولون الإجابة عنها من خلال الدراسة والعمل والإبداع والصبر.
إن الشباب العراقي لا يواجه تحديات الواقع فحسب، بل يواجه أيضًا صراعًا داخليًا بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. فهو يرى وطنًا غنيًا بتاريخه وثرواته وإمكاناته، ويتطلع إلى أن يكون هذا الغنى انعكاسًا لحياة كريمة وعدالة اجتماعية وفرص متكافئة. ومن هذا التناقض يولد الوعي، ومن الوعي تنشأ الرغبة في الإصلاح والتغيير.
لقد علمتنا الفلسفة أن الزمن ليس مجرد مرور للأيام، بل هو فرصة مستمرة لإعادة تشكيل الذات. لذلك فإن الشباب الذين يرفضون الاستسلام لليأس، ويتمسكون بأحلامهم رغم الصعوبات، يمارسون فعلًا فلسفيًا عظيمًا دون أن يشعروا؛ لأنهم يؤمنون بأن المستقبل ليس قدرًا يُنتظر، بل مشروعًا يُبنى بالإرادة والعمل.
ورغم ما يواجهه الشباب من تحديات تتعلق بفرص العمل والهجرة والتعليم والاستقرار، فإنهم ما زالوا يشكلون مصدر الأمل الحقيقي للعراق. فالأمم لا تنهض بالموارد وحدها، وإنما تنهض بالعقول التي تعرف كيف توظف تلك الموارد، وبالقلوب التي تؤمن بأن الوطن يستحق التضحية والعطاء.
إن العراق اليوم بحاجة إلى شبابه أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى أفكارهم ومبادراتهم وإبداعهم، وبحاجة إلى أن يشعروا بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة الحاضر والمستقبل. فالشباب ليسوا انتظارًا للمستقبل، بل هم المستقبل نفسه حين يتحرك في الحاضر.
شعر
لسنا نهابُ الليلَ إن طالَ المدى
فالفجرُ يولدُ حين يشتدُّ الأسى
نمضي وفي أعماقِنا وطنٌ يرى
أنَّ الطريقَ إلى المعالي مانطوى
قد تُرهقُ الأيامُ حلمًا صادقًا
لكنَّ صدقَ الحلمِ يبقى مُرتقى
نحنُ الشبابُ إذا أردنا نهضةً
جعلنا من صخرِ التحدي موطنًا
فالعلمُ نورٌ واليقينُ سفينتي
والعزمُ بحرٌ لا يضيقُ بمن سرى
سيظلُّ عراقُ الحضاراتِ الذي
منه ابتدأ التاريخُ شامخًا يُرى.
إن أعظم ما يملكه الشباب العراقي ليس المال ولا السلطة، بل القدرة على الحلم. والحلم ليس هروبًا من الواقع، بل رؤيةٌ لما يمكن أن يكون عليه الواقع في أفضل صوره. وكل حضارة عظيمة بدأت بفكرة، وكل فكرة بدأت بحلم، وكل حلم حمله شاب آمن بأن الغد يمكن أن يكون أجمل من اليوم.


