• Home  
  • تعافي العراق… رهن المحاصصة السياسية
- رأي ومقالات

تعافي العراق… رهن المحاصصة السياسية

ابراهيم يوسف إن تعافي العراق كدولة مؤسسات، وتحرره من نظام المحاصصة هو سؤال عميق ومصيري، والإجابة المختصرة هنا لا يمكن أن نغطي موضوع مهم شغل بال الكثير من الباحثين في الشأن السياسي منذ العام 2003 ليومنا الراهن، وان موطن الخطر في بحث هذه الإشكالية المتعددة الزوايا، والمنحنيات غير المتجانسة. هي أنها تمثل تحدياً كبيراً ومعقداً، […]

ابراهيم يوسف

إن تعافي العراق كدولة مؤسسات، وتحرره من نظام المحاصصة هو سؤال عميق ومصيري، والإجابة المختصرة هنا لا يمكن أن نغطي موضوع مهم شغل بال الكثير من الباحثين في الشأن السياسي منذ العام 2003 ليومنا الراهن، وان موطن الخطر في بحث هذه الإشكالية المتعددة الزوايا، والمنحنيات غير المتجانسة. هي أنها تمثل تحدياً كبيراً ومعقداً، ولا توجد بوادر قريبة لحل جذري لها، أو معالجة الخلل البنيوي الذي قامت وتأسست عليه قواعد العملية السياسية في عراق ما بعد الحقبة الدكتاتورية، ولكن هناك مؤشرات على تغيرات محتملة في طريقة عمل النظام، وإن كان ذلك لا يصل إلى درجة التحرر الكامل منه.

يمكن النظر إلى المشهد الحالي من ثلاث زوايا رئيسية:

 لماذا فشلت آليات التغيير التقليدية…؟

· حركة تشرين: أثبتت استمراريتها وقدرتها على إحداث هزات سياسية وإجبار حكومات على الاستقالة وتحقيق إصلاحات شكلية، لكنها لم تستطع تحويل زخمها الشعبي إلى قوة سياسية مؤثرة داخل المؤسسات بعد أن فشل مرشحوها في انتخابات 2025، ويعود ذلك جزئيا إلى تعقيد المشهد السياسي العراقي الذي يعيق ظهور قائد قوي أو حكومة تكنوقراط حقيقية.

· مقترح “تعديل الدستور”: رغم عودة هذا المقترح للواجهة بقوة مؤخرا، فإنه يواجه عقبات شبه مستعصية لأنه يتطلب موافقة أغلبية النواب ثم تمريره في استفتاء شعبي، مع إعطاء صلاحية نقضه لثلثي سكان ثلاث محافظات على الأقل، وهو شرط وضعته القوى الكردية لحماية مصالحها وجعل أي تعديل جوهري صعب المنال جدا.

هناك سؤال آخر وهو: ماذا عن التعيينات الأخيرة…؟ هل هي تغيير حقيقي أم مجرد “تجميل” للوجه…؟

ان أحدث التطورات في 2026 أظهرت استمرار النظام في إنتاج نفسه بأشكال جديدة، ولكن هناك جدل حول ما إذا كانت هذه الأشكال تمثل بداية لتحول بطيء وعلى النحو التالي:

أولاً: ترشيحات على خطى الماضي. ففي ربيع 2026 تم اختيار رجل الأعمال الشاب علي الزيدي، الذي يعتبر “شخصية مستقلة” أو “غريبة عن المؤسسة السياسية”، اختياره لمنصب رئاسة مجلس الوزراء. هذه الترشيحات ربما تمنح غطاء من “التجديد” الذي يطالب به الشارع دون المساس بجوهر النظام الطائفي.

ثانياً: جدلية الرجل “المستقل” تحمل معها احتمالية قدرة الزيدي على الحكم فيما لو اعتمد بشكل كامل على دعم الكتل السياسية التي رشحته في نظام المحاصصة العميق، حتى أن البعض يعتبر تعيينه مجرد “حل وسط”، نتج عن طريق “المساومات الخلفية” بدعم أمريكي إيراني متزامن لتمريره.

ولنا أن نسأل أيضاً ما هي العقبات الحقيقية أمام التغيير…؟

والجواب عندي هو أن نظام المحاصصة لم يدم لعقدين من الزمن بالصدفة. بل كانت هناك عوامل قوية تجعله “خط دفاع” أخير في نظر الكثيرين، ويجعله في منأى عن أي تغيير وشيك للأسباب التالية:

· القوى الراسخة و”حماية المصالح”. إذ، أن هناك طبقة سياسية كاملة تستفيد من هذا النظام (النخب الحاكمة والمليشيات والأحزاب الكبيرة). فهم يكسبون السلطة والثروة من خلاله، ولن يسمحوا بتفكيكه بسهولة.

· الخوف من البديل المجهول. فبالنسبة للعديد من المكونات (مثل الكرد والسنة)، يعتبر النظام الحالي، رغم عيوبه، يضمن لهم تمثيلا و”حصصاً” في السلطة. بالرغم من أن هناك خوف حقيقي من أن أي محاولة جذرية لتغيير هذا النظام. قد تؤدي إلى عودة ديكتاتورية الأغلبية أو انهيار الدولة.

· تعقيدات التعديل الدستوري. وهي نقطة سبق شرحها، فهي تعقد إلى حد كبير فرص إصلاح النظام من جذوره.

تبقى أزمة الثقة قائمة بين الفقراء قائمة، والبحث عن الهوية الوطنية هاجساً يقض مضاجع الشعب الذي بدأ يتململ كثيراً، ويوشك على “ثورة جياع” ستأتي على هيكل الدولة الأساسي، والاطاحة بالعملية السياسية، لتضع العراق أمام المجهول بكل ما يحمله المستقبل من مخاطر لا تهدد العراق وحده بل مستقبل المنطقة برمتها.

في المحصلة، فان العراق يعيش أزمة ثقة عميقة…. الشعب لم يعد يثق بنظام يوزع المناصب كغنائم، والمكونات لا تثق ببعضها في غياب هذا النظام. إن هذا المأزق يجعل الإصلاح الحقيقي رهناً بتغيير جذري في الثقافة السياسية وتوازن القوى، وليس فقط بتعديل القوانين أو تغيير الوجوه. التحرر الكامل من المحاصصة ما زال مشروعاً صعب التحقيق في المدى المنظور، ويبقى الأمل معقود على قوى اليسار الديمقراطي، ومنظمات المجتمع المدني. مع الفعاليات الاجتماعية المثقفة، والعابرة لحدود الطائفية السياسية لإحداث التغيير والتحول السلمي لحكم الأغلبية السياسية، ووفق ما نص عليه الدستور الاتحادي. الذي ينتظر الشعب أن يتطهر من الألغام التي دست فيه دساً…!!

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026