• Home  
  • الإنسان المُعاد تدويره… كيف تحوّلنا إلى نسخ قابلة للاستهلاك
- رأي ومقالات

الإنسان المُعاد تدويره… كيف تحوّلنا إلى نسخ قابلة للاستهلاك

بسام البديري في عالم يرفع شعار (كن نفسك) يبدو أن الجميع يتشابهون بشكل مريب. نفس الكلمات، نفس الطموحات ونفس ردود الأفعال. كأن البشرية دخلت مصنعاً ضخماً لإعادة التدوير حيث تُسحب الفروقات من الإنسان ويُعاد تشكيله في قالب واحد أنيق وقابل للبيع. هذه الفكرة ليست جديدة بل تنبّه لها مبكراً 1984 حين صوّر عالماً لا تُراقب […]

بسام البديري

في عالم يرفع شعار (كن نفسك)

يبدو أن الجميع يتشابهون بشكل مريب.

نفس الكلمات، نفس الطموحات ونفس ردود الأفعال. كأن البشرية دخلت مصنعاً ضخماً لإعادة التدوير حيث تُسحب الفروقات من الإنسان ويُعاد تشكيله في قالب واحد أنيق وقابل للبيع.

هذه الفكرة ليست جديدة بل تنبّه لها مبكراً 1984 حين صوّر عالماً لا تُراقب فيه الأجساد فقط بل تُهندَس فيه العقول.

هناك لم يكن الخطر في القمع المباشر بل في القدرة على جعل الإنسان يقتنع بما يُفرض عليه حتى لو كان يناقض الواقع. لم يعد السؤال:

هل هذا صحيح؟

بل: هل هذا مقبول؟

وفي عالم جديد شجاع لم تعد السيطرة تحتاج إلى عنف بل إلى متعة. الإنسان لا يُجبر على الطاعة بل يُغرى بها. يُمنح ما يكفي من اللذة ليكفّ عن التفكير وما يكفي من الراحة ليخاف التغيير. وهكذا يتحول إلى كائن مطيع وهو يظن نفسه حراً.

أما في المسخ فإن التحوّل لم يكن اجتماعياً فقط بل وجودياً. غريغور سامسا يستيقظ ليجد نفسه حشرة لكن الصدمة الحقيقية ليست في شكله الجديد بل في رد فعل الآخرين. كأن قيمته كانت دائماً مشروطة بوظيفته لا بإنسانيته وحين فقد دوره فقد كل شيء.

هذه الأعمال رغم اختلافها تشير إلى حقيقة واحدة مزعجة. الإنسان الحديث لم يعد يُقمع كما في الماضي بل يُعاد تشكيله. لم تعد السلطة بحاجة إلى كسر الأفراد بل إلى توحيدهم إلى جعلهم متشابهين بما يكفي ليكونوا قابلين للإدارة والتسويق والتوقع.

الجدل هنا ليس في أن المجتمع يفرض معايير فهذا أمر طبيعي بل في أننا بدأنا نتخلى طوعاً عن اختلافنا. نقلّد لأن التقليد أسهل، نتبنّى آراء جاهزة، لأن التفكير مُرهق. ونرتدي شخصيات مُصنّعة. لأن، أن تكون نفسك أصبح مخاطرة.

الأخطر من ذلك أن الإنسان لم يعد يشعر بهذا التحوّل بل قد يدافع عنه ويهاجم المختلف ويسخر من الغريب ويخاف من كل ما لا يشبهه. وكأن التنوع لم يعد قيمة بل تهديداً يجب احتواؤه. ربما لم نعد نعيش في عالم تُفرض فيه القيود بالقوة، بل في عالم تُزرع فيه الرغبات بعناية. نعتقد أننا نختار لكن خياراتنا محددة سلفاً.

نعتقد أننا مميزون بينما نحن نسخ محسّنة من نموذج واحد. السؤال الذي لا نحب طرحه: هل ما زلنا أفراداً أم أصبحنا منتجات؟

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026