• Home  
  • من صناعة الحضارة إلى الاستهلاك السياسي: استعادة المرأة العراقية لدورها الريادي
- امرأة ومجتمع

من صناعة الحضارة إلى الاستهلاك السياسي: استعادة المرأة العراقية لدورها الريادي

ايناس علي شمخي تمتلك المرأة العراقية إرثاً حضارياً فريداً، حيث كانت في حضارات بلاد الرافدين شريكاً أساسياً في بناء الدولة والاقتصاد والقانون. غير أن هذا الموروث تعرض للتشويه عبر مراحل تاريخية متعاقبة، في العصر الراهن حيث تحولت المرأة إلى “سلعة استعراضية” تُوظف في دهاليز الفساد والسياسة، وتُستهلك صورتها وجسدها وصوتها لخدمة مصالح رؤوس الأموال والنخب […]

ايناس علي شمخي

تمتلك المرأة العراقية إرثاً حضارياً فريداً، حيث كانت في حضارات بلاد الرافدين شريكاً أساسياً في بناء الدولة والاقتصاد والقانون. غير أن هذا الموروث تعرض للتشويه عبر مراحل تاريخية متعاقبة، في العصر الراهن حيث تحولت المرأة إلى “سلعة استعراضية” تُوظف في دهاليز الفساد والسياسة، وتُستهلك صورتها وجسدها وصوتها لخدمة مصالح رؤوس الأموال والنخب الفاسدة.

اليوم، وبعد آلاف السنين، تجد المرأة العراقية نفسها محاصرة في صورة نمطية قاتلة: إما “امرأة منزلية” مهمشة، أو “وجه إعلامي” يُستخدم لبيع البضائع والأفكار، أو “رمز انتخابي” تُوظف لملء كوتا برلمانية دون سلطة حقيقية. الانتقال من “صانعة حضارة” إلى “أداة استهلاكية” لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل نتيجة تراكم تحولات سياسية واقتصادية وثقافية، كانت المرأة أبرز ضحاياها.

المرأة في حضارة بلاد الرافدين: شراكة لا وصاية

تشير النصوص المسمارية إلى أن المرأة في سومر وأكد وبابل امتلكت شخصية قانونية مستقلة. كانت “الأميرة” تدير عقاراتها، و”التاجرة” تسافر للتبادل التجاري، و”الكاهنة” تشرف على مؤسسات اقتصادية ضخمة. القطيعة بدأت مع الفتوحات والإمبراطوريات اللاحقة، حيث تراجعت حقوق النساء تدريجياً تحت تأثير قوانين قبلية ذكورية، لكن المرأة ظلت فاعلة في الاقتصاد الزراعي والحرفي.

العصر الحديث: الديكتاتورية والاستعمار والكوتا الشكلية

تحت الحكم الملكي ثم الجمهوري، شهدت المرأة العراقية نهوضاً نسبياً في التعليم والعمل (خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي). لكن أنظمة الاستبداد وظفت “قضايا المرأة” كأداة دعائية للشرعية الدولية، دون تمكين حقيقي.

ما بعد 2003 جاءت “كوتا المرأة” بنسبة 25% من المقاعد البرلمانية. ورغم أهمية هذه الخطوة كأولوية كمية، إلا أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى فخ. نساء يتم اختيارهن من قبل الأحزاب والقوى الفاسدة ليكونن “وجهاً” للمنظمة، دون سلطة قرار حقيقية.

في العراق المعاصر، كثيراً ما تُختصر مشاركة المرأة في “وجودها الرقمي” داخل البرلمان أو المجالس المحلية. لكن الواقع يكشف أن:

– التبعية الحزبية: معظم النائبات لا يملكن حرية تصويت حقيقية، بل يصوتن وفق توجيه الكتلة، وغالباً ما تُستخدم أصواتهن لتمرير موازنات فاسدة أو تعيينات محسوبية.

– التوظيف الانتقائي: تُستدعى المرأة السياسية لافتتاح دور الحضانة أو حضور مؤتمرات “تمكين المرأة” كغطاء إنساني، بينما تُستبعد من لجان الطاقة والنفط والأمن – أي اللجان التي تقرر توزيع الثروة الحقيقية.

– الإعلام الذكوري: وسائل الإعلام تُركّز على ملابس النائبات، وأصواتهن، وجمالهن، وعلاقاتهن العائلية، بدلاً من برامجهن السياسية. هذا “التأنيث الاستعراضي” يحول السياسية إلى “راقصة في حلبة السياسة” أكثر مما يحولها إلى فاعلة.

الاستهلاك الإعلامي: جسد المرأة كبضاعة

دون أي رقابة، تستخدم الإعلانات التجارية والقنوات الفضائية جسد المرأة العراقية لبيع كل شيء: سيارات، هواتف، مشروبات، وحتى مرشحين سياسيين في الحملات الانتخابية (ملصقات تظهر النساء باكيات أو مبتهجات إلى جانب صور الرجال المرشحين). هذه الصور تكرس فكرة أن المرأة “أداة جذب عاطفية” وليس “فاعلة عاقلة”. والأسوأ أن بعض البرامج الدينية والمحافظة تساهم في هذا الشيء من الطرف الآخر: إما “عورة تستر” أو “جسم يُظهر”. كلاهما يختزلها في جسدها.

دور المرأة الذاتي – كيف توعي نفسها وتُحرر نفسها؟

الخروج من هذا الواقع لا يمكن أن يأتي من أنظمة الفساد ذاتها، ولا من الإعلام التابع لرؤوس الأموال. المرأة العراقية بحاجة إلى انتفاضة داخلية هادئة، قائمة على الوعي والتنظيم الموازي. المحاور التالية تمثل خريطة طريق حد أدنى:

التعليم النقدي أولاً: كيف تفكك المرأة الخطاب الاستغلالي؟

تحتاج كل امرأة عراقية إلى أن تتعلم “قراءة النقد النسوي” للأحداث والإعلانات والسياسات. عملياً:

– إعادة كتابة التاريخ النسوي العراقي: توثيق قصص النساء العراقيات اللواتي سبقن – عالمات، سياسيات، فلاحات، حرفيات – كمصدر فخر ونموذج يحتذى، بدلاً من النماذج المستوردة.

الرفض الجماعي للاستغلال السياسي: لا كوتا بدون تمكين

يجب أن تتجاوز المرأة العراقية فكرة “القبول بأي مقعد فقط للوجود”. المطالب الدنيا:

– تشكيل كتلة نسائية مستقلة داخل البرلمان والمجالس المحلية، غير تابعة لأحزاب الفساد، تعمل على قوانين حماية المرأة الاقتصادية والقانونية، وتراقب موازنات “التمكين” أين تذهب.

– استخدام الكوتا بشكل عكسي: في المناطق التي توجد فيها نساء فاعلات حقيقيات، يجب الضغط على الأحزاب لترشيحهن، وإلا فتحقيق فضائح انتخابية للنساء “المستعارات”.

المرأة العراقية لا تحتاج إلى من “يمنحها” دوراً، بل تحتاج إلى استعادة الدور الذي سلبت منها. هذا الاسترداد لا يتم عبر خطب السياسيين أو شيكات المانحين، بل عبر فعل تراكمي صامت، امرأة تتعلم رفض توظيف صورتها في إعلان مستهلك، أخرى تنسحب من قائمة حزبية فاسدة، ثالثة تؤسس تعاونية خبز مع جاراتها، رابعة تكتب مقالاً يفضح “الكوتا الصورية”.

الطريق طويلة، والعقلية الذكورية المتسلطة ورؤوس الأموال التي تغذيها لن تختفي بين ليلة وضحاها. لكن الخبر اليقين: كل امرأة ترفض أن تكون أداة استعراضية، وكل امرأة تقرر أن تكون هي من يرسم مستقبلها الاقتصادي والسياسي، هي لبنة في سور منيع يحمي المجتمع بأكمله – ليس فقط المرأة – من استلاب الفساد.

العراق الذي ينتظر نهوضاً حقيقياً، ينتظر نساءه حارسات للحياة، لا واجهات لصفقات الموت. ومسؤولية البدء تقع على كاهل كل امرأة قررت أن تكتب: “لن أكون رقماً في كوتا، ولن أكون وجهاً في إعلان، سأكون فاعلة في مجتمعي، وسأعيد للرافدين رافعات الحضارة”.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026