
احمد عز الدین
الشباب هم الثروة الحقيقية لأي مجتمع، فهم طاقة متجددة لا تعرف المستحيل، تكسر القيود وتسعى دائماً إلى ما تراه صحيحاً ومناسباً، إنهم القوة التي لا تتوقف عند حدود ضيقة، بل تتطلع باستمرار إلى التغيير والتجديد، ومن هنا تنبع أهمية الحديث عن دور الشباب، وإمكانية بناء شخصية قيادية قادرة على النهوض بالمجتمع.
الشباب بطبيعتهم يفكرون ويتعلمون ويسألون، و (السؤال هو بداية الوعي، والوعي هو أساس التغيير). فالشاب الذي يمتلك فكراً ناقداً وروح المغامرة يصبح فاعلاً حقيقياً في مجتمعه. هذه الفئة لا تخشى المجهول، بل تخوض التجارب وتكسر الجمود، ولذلك كانت عبر التاريخ وقود التحولات الكبرى.
لكن حين لا تستثمر طاقة الشباب، فإنها قد تنعكس سلباً، فتتحول إلى عبء على المجتمع بدل أن تكون قوة دافعة له. كما أن بعض الشباب يعيشون في العالم الخيالي بعيداً عن الواقع، من إفراطٍ في متابعة الأفلام أو الرياضة أو الجلوس في المقاهي دون هدف، مما يؤدي إلى تراجع الوعي وفقدان الاتجاه. يضاف إلى ذلك التقصير الحكومي، مثل البطالة وعدم توفير فرص حقيقية، مما يخلق شعوراً بالإحباط، ويهدد هوية الشاب ومستقبله.
وفي ظل الصراعات والأزمات، نجد أن كثيراً من الشباب لا يملكون رؤية واضحة للمستقبل، فيصبحون في صراع مع نفسهم قبل أن يكونوا جزءاً من صراع المجتمع. وغالباً ما يستغلون كوسيلة في الحروب أو الانتخابات، عوضاً من أن يمنحوا فرصة حقيقية للمشاركة في صنع القرار. والتاريخ مليء بأمثلة استغلال الشباب في مختلف العصور، من العبودية والإقطاعية إلى الرأسمالية، حيث كانوا أدوات لتحقيق أهداف أصحاب السلطة.
إن تنمية الوعي لدى الشباب هي الخطوة الأساسية نحو صناعة جيل قيادي. فالتدريب والورش والندوات أدوات مهمة لصناعة وعي منظم، لأن التوعية إذا نُظمت أصبحت قوة مؤثرة. ويكفي أن نتذكر ما حدث في تونس عام 2010 بعد حادثة البوعزيزي، حين تحرك الشباب وأسقطوا نظاماً دام أكثر من عقدين، لتبدأ مرحلة جديدة في العالم العربي.
كما أن الاهتمام بالشباب ليس فكرة حديثة. ففي عام 343 ق.م تولى أرسطو تعليم اسكندر الأكبر وهو في سن الثالثة عشرة، إدراكا لأهمية إعداد القادة منذ الصغر. ويجب أن يشمل الاهتمام جميع فئات الشباب دون تمييز طبقي، سواء كانوا من طبقة أرستقراطية أو بروليتارية، متعلمين أو غير متعلمين، فكثير من الأنبياء والفلاسفة خرجوا من بيئات فقيرة، لأنه من لا يملك شيئاً غالباً ما يسعى إلى التغيير.
اهتم الفلاسفة عبر العصور بدور الشباب في المجتمع، فقد كان سقراط يخاطب الشباب في الشوارع، مؤمناً بأنهم من يطرحون الأسئلة التي يخشاها الكبار، أما أفلاطون فأسس أكاديمية علمية، مؤكداً أن من لم يربَّ على الحكمة لن يكون جديراً بالحكم. وأشار أرسطو إلى أن العقل لا يرتبط بالعمر بقدر ما يرتبط بالتجربة، وأن الشاب الذي لا يعرف الخوف يصنع التاريخ.
وفي التاريخ أمثلة على ثورات شبابية غيّرت مجرى الأحداث، مثل ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس في روما بين 73–71 ق.م، وكذلك احتجاجات الطلاب في باريس عام 1968 التي رفضت النظام التعليمي التقليدي، كما يؤكد المفكر الجزائري مالك بن نبي أن، نهضة أي أمة تبدأ من شبابها، وأن إضعاف الشباب يعني إضعاف الأمة بأكملها.
الشاب المثقف التابع والشاب المثقف القيادي
فالمثقف التابع خاضع، يتجنب المسؤولية، ولا يمتلك روح المبادرة، وقد يقول عكس ما يؤمن به خوفاً أو مصلحة، أما المثقف القيادي، فهو واثق من نفسه. مبادر، يتحمل المسؤولية، ويبحث عن حلول حقيقية لمشاكل المجتمع.
في عصر النهضة الأوروبية، قدم مفكرون مثل ديكارت وإيمانويل كانط نماذج للمثقف المؤثر، وكذلك الفيلسوف ديوجين الكلبي الذي دعا إلى الاستقلال عن القطيع والسير في الطريق الصحيح حتى لو كان الإنسان وحيداً، ومن النماذج الثورية أيضا جيفارا الذي جسد روح المبادرة والتغير.
وإذا كان الحديث عن الشباب عموماً، فلا يمكن إغفال عن دور الشابات بوصفهن جزءاً أصيلاً من قوة المجتمع، لا يمكن الحديث عن نهضة المجتمع دون تمكين الحقيقي للشابات، فهن أساس البناء والتطوير، وليس مجرد (نصف المجتمع) في الشعارات، المطلوب هو منح فرص عملية حقيقية في التعليم والعمل وصنع القرار ورفع نسب المشاركة في كافة مجالات الحياة بشكل فعال.
التاريخ يقدم نماذج لنساء لعبن أدواراً قيادية، مثل نفرتيتي التي لم تكن مجرد زوجة للفرعون إخناتون، بل كان لها تأثير سياسي واضح، وفي الأساطير البابلية برزت شخصية تيامات كرمز للقوة الأولى في الكون، ما يعكس حضور المرأة في الوعي الحضاري القديم.
إن إمكانية الشباب في تطوير المجتمع ليست فكرة نظرية، بل حقيقة تاريخية واجتماعية، الشباب هم طاقة التغير، لكن هذه الطاقة تحتاج إلى وعي، وفرص حقيقية، وإيمان بقدراتهم، فإذا أحسن استثمارهم، أصبحوا بناة حضارة وصناع مستقبل، أما إذا أُهملوا أو استغلوا، فإن المجتمع كله سيدفع الثمن.
إن نهضة أي أمة تبدأ من شبابها، فإما أن يكونوا قادة المستقبل، أو ضحايا الحاضر.


