
نجاة الزغبي
8 مارس من كل عام تبرز مناسبة مهمة للتأمل في واقع المرأة في العراق والشرق الأوسط، ليس فقط من زاوية التحديات، بل أيضاً من زاوية الدور التاريخي الذي يمكن أن تؤديه في بناء مجتمع يسوده السلام والعدالة. حيث أن المرأة في العراق والشرق الأوسط…تقف بين تحديات الواقع وآفاق صناعة السلام
ففي اليوم العالمي للمرأة، تتجه الأنظار إلى واقع المرأة في العراق ومنطقة الشرق الأوسط، حيث ما تزال النساء يواجهن مجموعة معقدة من التحديات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فعلى الرغم من التقدم النسبي في بعض مجالات التعليم والعمل، إلا أن المرأة ما زالت تصطدم بحواجز تقليدية وثقافية، وببنى سياسية لم تستوعب بعد بشكل كامل مبدأ المشاركة المتساوية في صنع القرار.
من أبرز هذه التحديات استمرار الفجوة بين النصوص الدستورية التي تؤكد المساواة، وبين الواقع الاجتماعي الذي يحد من فرص النساء في المشاركة السياسية والاقتصادية. كما تواجه المرأة في العديد من دول المنطقة آثار النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي، وهو ما يزيد من هشاشة أوضاعها ويضعف قدرتها على الوصول إلى مواقع التأثير.
في العراق تحديداً، ورغم وجود تمثيل نسوي في البرلمان عبر نظام الكوتا، إلا أن المشاركة الفعلية في صنع السياسات العامة ما تزال محدودة. كما أن التحديات الاقتصادية والبطالة وضعف الخدمات الاجتماعية تؤثر بشكل مضاعف على النساء، خصوصاً في المناطق المتضررة من النزاعات.
ومع ذلك، فإن المرأة ليست مجرد ضحية لهذه الظروف، بل يمكن أن تكون أحد أهم الفاعلين في بناء السلام المجتمعي. فالنساء، بحكم دورهن الاجتماعي وقدرتهن على بناء شبكات الثقة داخل المجتمعات المحلية، يمتلكن إمكانات كبيرة لنشر ثقافة السلم والعيش المشترك بين مختلف المكونات العرقية والدينية.
إن تعزيز دور المرأة في الحوار المجتمعي، وفي منظمات المجتمع المدني، وفي المبادرات التعليمية والثقافية، يمكن أن يسهم في ترسيخ قيم التسامح وقبول الآخر. كما أن إشراك النساء بصورة أوسع في الحياة السياسية وصنع القرار يضيف بعداً إنسانياً واجتماعياً مهماً للسياسات العامة، ويعزز فرص بناء دولة المواطنة المتساوية.
إن الطريق نحو مجتمع ديمقراطي تشاركي في العراق والشرق الأوسط يمر حتماً عبر تمكين النساء وإزالة العوائق التي تحد من مشاركتهن. فالمرأة التي تناضل من أجل حقوقها هي في الوقت ذاته تناضل من أجل مجتمع أكثر عدالة وسلاماً لجميع أبنائه.
وفي هذه المناسبة، يبقى الرهان الحقيقي ليس فقط على الاحتفاء بدور المرأة، بل على تحويل هذا الاحتفاء إلى سياسات عملية تفتح المجال أمام نصف المجتمع ليكون شريكاً كاملاً في صناعة المستقبل.
فالسلام الحقيقي يبدأ حين تتكامل طاقات الرجال والنساء معاً لبناء وطن يحفظ كرامة الإنسان ويصون تنوعه.


