السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • واقع التلوث في العراق وتداعياته الصحية والسبل الكفيلة بالحد منه
- بيئة واقتصاد

واقع التلوث في العراق وتداعياته الصحية والسبل الكفيلة بالحد منه

حسنين عباس موسى يُعدّ التلوث البيئي في العراق أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، إذ تتفاقم آثاره نتيجة لعقود من النزاعات المسلحة، وتضاؤل الغطاء النباتي، وتزايد الانبعاثات الصناعية غير المنضبطة، فضلاً عن شحة المياه وتدهور نوعيتها. وقد رصدت تقارير وزارة البيئة والمنظمات الدولية المعنية ارتفاعاً مقلقاً في مؤشرات الملوثات خلال السنوات الأخيرة. أولاً: أنواع […]

حسنين عباس موسى

يُعدّ التلوث البيئي في العراق أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، إذ تتفاقم آثاره نتيجة لعقود من النزاعات المسلحة، وتضاؤل الغطاء النباتي، وتزايد الانبعاثات الصناعية غير المنضبطة، فضلاً عن شحة المياه وتدهور نوعيتها. وقد رصدت تقارير وزارة البيئة والمنظمات الدولية المعنية ارتفاعاً مقلقاً في مؤشرات الملوثات خلال السنوات الأخيرة.

أولاً: أنواع التلوث السائدة ومصادرها في العراق:

1. تلوث الهواء: تتصدر انبعاثات الغازات السامة كأول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين قائمة الملوثات، وتنبعث بصورة رئيسية من قطاع النقل الذي يعتمد على الوقود الأحفوري التقليدي، بالإضافة إلى معامل الإسمنت والمصافي النفطية التي تعمل بتقنيات متقادمة. كما تساهم المولدات الكهربائية الأهلية المنتشرة في المدن الكبرى، فضلاً عن حرق المخلفات المكشوف، في رفع مستويات الجسيمات العالقة (PM2.5 وPM10) إلى حدود تتجاوز المعايير العالمية المسموحة بأضعاف، خاصة في بغداد والبصرة والموصل.

2. تلوث المياه: يعاني العراق شحاً كمياً ونوعياً في موارده المائية، إذ تتعرض الأنهار الرئيسية (دجلة والفرات) لتدفقات ملوثة ناتجة عن تصريف المخلفات الصناعية غير المعالجة، والصرف الصحي المباشر، بالإضافة إلى الجريان السطحي المحمّل بالمبيدات والأسمدة من الأراضي الزراعية. وقد سجّلت التحاليل المخبرية وجود تركيزات عالية من المعادن الثقيلة والمركبات العضوية في مياه الشرب في عدة محافظات، مما يرفع منسوب خطر الإصابة بالأمراض المائية كالكوليرا والتيفوئيد والتهابات الكبد الوبائية.

3. تلوث التربة: تتمثل أبرز مسبباته في الاستخدام المفرط للأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية في القطاع الزراعي، إلى جانب تراكم النفايات الصلبة وتسرب المواد الهيدروكربونية من حقول النفط ومنشآت التكرير، ناهيك عن مخلفات الحروب التي تحتوي على مواد مشعة ومتفجرات غير منفجرة. كل ذلك يؤدي إلى تدهور خصوبة التربة، وتسرب السموم إلى السلسلة الغذائية عبر المحاصيل، مما ينعكس سلباً على سلامة المواطن.

4. التلوث الضوضائي: تشهد المدن العراقية ارتفاعاً مطّرداً في مستويات الضجيج الناتج عن كثافة المركبات، والآليات الثقيلة، فضلاً عن الاستخدام المفرط لمكبرات الصوت والمولدات. وقد ربطت الدراسات المحلية بين هذا النوع من التلوث وارتفاع مؤشرات التوتر العصبي، واضطرابات النوم، وتدني القدرة على التركيز، خاصة لدى سكان المناطق المزدحمة قرب الطرق الرئيسية والأسواق الشعبية.

ثانياً: الآثار الصحية المباشرة وغير المباشرة:

يؤدي التعرض المزمن لمزيج الملوثات البيئية في العراق إلى تفاقم معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي المزمنة (كالربو والتهاب القصبات)، وأمراض القلب والشرايين، وضعف المناعة الذاتية، فضلاً عن تزايد حالات السرطانات المرتبطة بالتعرض للمواد المسرطنة، لا سيما بين الأطفال وكبار السن الذين يشكّلون الفئات الأكثر هشاشة من الناحية المناعية والفسيولوجية. كما يسهم تلوث الماء والغذاء في انتشار الأوبئة المعوية والاضطرابات الهضمية بين شرائح واسعة من السكان، خاصة في مناطق الأرياف والأطراف المحرومة من خدمات البنى التحتية الصحية.

ثالثاً: استراتيجيات الحد من التلوث والإجراءات المقترحة:

في سياق التصدي لهذه التحديات، توصي الخبرات البيئية باعتماد حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات، منها:

– تحديث تشريعات حماية الهواء والماء لتشمل معايير صارمة للانبعاثات الصناعية وعوادم المركبات، مع فرض غرامات رادعة على المخالفين.

– التحول التدريجي نحو نظم النقل النظيف (كهربائي، هجين) وتوفير البنى التحتية اللازمة لها، مع دعم استخدام الدراجات في المدن المزدحمة.

– تنفيذ مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي قبل إعادة ضخها إلى المجاري المائية، وتعزيز إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة.

– تطوير برامج وطنية لإدارة النفايات الصلبة تشمل الفرز من المصدر، والتدوير، والطمر الصحي، مع التوقف عن الحرق المكشوف نهائياً.

– توسيع الرقعة الخضراء في المدن وزراعة الأحزمة الشجرية حول المناطق الصناعية والطرق السريعة لامتصاص الملوثات وتحسين جودة الهواء.

– إطلاق حملات توعوية مستدامة تستهدف جميع الفئات العمرية، وتدمج في المناهج التعليمية ووسائل الإعلام، لتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول والسلوك البيئي الواعي.

إن معالجة التلوث البيئي في العراق ليست خياراً بل ضرورة حتمية للحفاظ على الصحة العامة والموارد الطبيعية والتنمية المستدامة. وتتطلب هذه المهمة تضافر جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطن، على قاعدة المسؤولية المشتركة، لضمان بيئة أكثر أماناً ونظافة، بما يضمن حق الأجيال الحاضرة والقادمة في الحياة الكريمة والصحية على أرض هذا الوطن.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026