
انغام جميل
في مشهد درامي ساخر، تظهر بين الحين والآخر فتيات عراقيات على منصات التواصل الاجتماعي، يحملن جوازات سفر دبلوماسية، أو يتقلدن مناصب استشارية في مؤسسات حكومية، أو يظهرن إلى جانب كبار المسؤولين في حفلات ومنتديات “تمكين المرأة”. الإعلام الرسمي يصفق، وبعض الناشطات الجدد يهللن، بينما الشعب العراقي يغرق في الديون والبطالة والفساد المستشري. لكن ما يحدث أعمق من مجرد “فساد عادي”. إنه تحويل متعمد ومنهجي لبعض الفتيات إلى “تيكتورات” نسوية، أدوات رخيصة تستخدم لتجميل وجه الفساد، وتبرير سرقة المليارات، وتدمير أي معنى حقيقي لكرامة المرأة العراقية.
سنحاول كشف هذه الآلية الخبيثة، وتعرية كيفية استغلال العقلية الذكورية الفاسدة لأجساد وأصوات بعض النساء من أجل إدامة هيمنتها، وإذلال المجتمع بأسره.
من هي “التيكتورات النسوية” في سياق السلطة؟
المصطلح هنا لا يشير إلى الناشطات الحقيقيات أو النساء العاملات بجد، بل إلى فئة محددة من الفتيات يتم استقطابهن بعناية من قبل رجال السلطة. يتم اختيارهن غالباً بناءً على:
– مظهرهن الجذاب وحضورهن على وسائل التواصل.
– حاجتهن المالية أو طموحهن السريع للشهرة والمال.
– قابلية استغلالهن كـ “واجهات” دون أن يدركن العواقب الأخلاقية والسياسية.
هؤلاء الفتيات يُمنحن فجأة مناصب وهمية، أو عقود استشارية بملايين الدنانير، أو جوازات سفر خاصة، أو مخصصات مالية ضخمة لا تتوفر حتى لوزراء حقيقيين.
الآلية القذرة: كيف تُستخدم الفتيات كأداة؟
1. تجميل الفساد بصورة “المرأة العصرية”:
عندما تظهر فتاة بـ “تيك توك” وهي تتسوق في لندن أو باريس بمال دافعي الضرائب، وتُروّج أنها “امرأة مستقلة وحرة”، فإنها تقدم خدمة مجانية للسلطة: تحويل انتباه الناس من فساد المليارات إلى قصة “نجاح امرأة عراقية”. تُستخدم قصتها لتبرير سرقة الأموال العامة باسم “دعم المرأة”.
2. إضفاء شرعية زائفة على الفاسدين:
يحرص رجال السلطة على التقاط الصور مع هؤلاء الفتيات في المؤتمرات الرسمية. الهدف: إيهام الرأي العام بأن النظام “حديث” و”داعم للشباب والنساء”. في الحقيقة، هذه الصور هي درع لحماية رجل فاسد يسرق أموال الكهرباء والمحروقات والتعليم.
3. خلق نخبة نسوية مزيفة لابتزاز المجتمع:
كلما ارتفع صوت ناقد يقول “المرأة العراقية تعاني من الفقر والعنف والتهميش”، يتم استدعاء صور هؤلاء “التيكتورات” كدليل على أن “المرأة العراقية حصلت على كل حقوقها”. هذا يهدف إلى إسكات النقد الحقيقي وتفكيك التضامن المجتمعي.
4. تحويل المرأة إلى “سلعة رخيصة” في صفقات الفساد:
تصل الأمور إلى حد استخدام هؤلاء الفتيات كـ “هدايا” أو “عمولات” في صفقات فساد ضخمة. قد تُمنح فتاة منصباً أو عقداً لقاء دورها في التغطية على سرقة معينة. هنا تصل الإهانة إلى ذروتها: جسد المرأة وحضورها يصبحان مجرد بضاعة في سوق الفساد.
الأثر المدمر على المرأة والمجتمع العراقي
– تشويه صورة النضال النسوي الحقيقي:
المرأة العراقية الحقيقية هي التي تناضل في الأرياف والمدارس والمستشفيات، والتي تتحمل ويلات الحرب والعنف والفقر. عندما ترى فتاة “تيك توك” تحصل على امتيازات وهمية، تشعر المرأة العراقية البسيطة بالغضب والإحباط، وقد تتحول إلى كراهية لأي خطاب نسوي، معتبرة إياه أداة بيد الفاسدين.
– تعزيز العقلية الذكورية الأبشع:
هذه الممارسات تعيد إنتاج أقسى صور العقلية الذكورية: المرأة إما أداة للمتعة أو للزينة أو للدعاية. رجال السلطة يستخدمون هؤلاء الفتيات ثم يتخلون عنهن بسهولة، أو يبتزونهن بعد أن يشاركن في الفساد. هذا ليس تحرراً، بل هو استعباد من نوع جديد.
– تدمير الثقة بين أبناء المجتمع الواحد:
عندما يرى شاب عاطل عن العمل، أو أسرة فقيرة، أن أموال الضرائب تذهب لتمويل نزهات فتاة “تيك توك”، فإن ذلك يخلق غضباً شعبياً هائلاً، ويُضعف النسيج الاجتماعي، ويدفع الكثيرين نحو اليأس أو العنف.
كيف تتصدى المرأة العراقية لهذا الاستغلال؟
1. فضح الآلية وعدم الخلط بين “التمكين” و”التوظيف الفاسد”:
على الناشطات الحقيقيات والمفكرين والإعلاميين الجادين أن يميزوا بوضوح بين دعم المرأة الحقيقي (التعليم، الصحة، الحماية من العنف، المشاركة في القرار الحقيقي) وبين هذه النماذج التي تستخدم كغطاء للفساد.
2. مقاطعة الخطاب “النسوي” المزوّر:
يجب على المجتمع أن لا ينخدع بأي خطاب نسوي يأتي من أحضان الفاسدين. المرأة الحرة لا يمكن أن تكون أداة في يد ظالم.
3. المطالبة بالشفافية والمحاسبة:
يجب تتبع أموال هذه “المناصب الوهمية” وكشفها. أي منصب أو عقد أو جواز سفر يُمنح لفتاة دون كفاءة حقيقية هو جريمة فساد، ويجب محاسبة من منحها ومن قبلها.
4. بناء وعي مجتمعي جديد:
على المرأة العراقية أن تدرك أن كرامتها ليست في صورة تيك توك أو منصب وهمي، بل في قدرتها على قول “لا” للفساد والظلم، وفي انتمائها لنضال شعبها من أجل الحرية والكرامة والعدالة.
لا لاستغلال جسد المرأة لتبرير نهب ثروات العراق
إن تحويل بعض الفتيات إلى “تيكتورات نسوية” أدوات بيد الفساد هو جريمة بحق المرأة العراقية أولاً، وجريمة بحق الشعب العراقي ثانياً. إنه إهانة لكل امرأة عراقية ناضلت وتناضل، وإهانة لكل عائلة عراقية تعاني من ويلات الفساد والفقر.
المرأة الحقيقية لا تكون أداة، مهما كان حجم المال أو المنصب. والحرية الحقيقية لا تبدأ من “تيك توك” ولا تنتهي عند جواز سفر دبلوماسي. تبدأ من وعي لا يُشترى، ومن كرامة لا تُباع، ومن موقف واضح ضد كل من يحاول استغلال جسد المرأة أو صوتها لتغطية سرقة مستقبل العراق.
لن ينتهي الفساد في العراق ما دامت هناك فتيات مستعدات لأن يكنّ غطاءً له… ولن تتحرر المرأة ما دامت تقبل بأن تكون دمية على مسرح الفاسدين.


