
هدية محمد
في تاريخ البشرية لم تكن النساء مجرد ممثلات على خشبة المسرح، بل كن تلك الفئة القادرة التي كتبت تاريخ المجتمعات بين نجوم الإضاءة. هذا المقال هو رحلة داخل الماضي المجيد للنساء، حين كانت ريادتهن تبعث نوراً مختلفاً على البشرية، ثم نظرة إلى ذلك الطريق المظلم الذي فرضه التاريخ على نجومهن، وفي النهاية ملاذ لذلك الفجر الذي تصبح فيه المرأة مجددًا رائدة للتحرر والتطور.
بعد المرحلة الجليدية الرابعة، حين كانت الأرض تحت طبقة سميكة من الجليد تتنفس بصعوبة، واجهت البشرية تغيراً كبيراً، في ذلك الوقت المعروف بـ”الثورة الزراعية”، لم تكن النساء مجرد مشاركات، بل كنّ قائدات لهذا التحول الثوري، وقد أثبت علماء الآثار أن النساء كن أول الباحثين في الزراعة، وهن من لاحظن أن بذور النباتات تسقط في الأرض، وفي الموسم التالي تنبت نباتات جديدة، وبهذه المعرفة بدأن بزراعة أولى الحدائق والمساحات الزراعية.
وفي الوقت نفسه، قامت النساء بابتكار مهم آخر وهو تدجين الحيوانات، فقد قمن بترويض الذئاب البرية واستخدامها كحراس ومرافقين، وبذلك أنشأن أول علاقة مصاحبة بين الإنسان والحيوان، كما قمن بتدجين الأبقار والماشية المنتجة للحليب، وبهذا العمل وفرن دورة اقتصادية وغذائية للمجتمع لم تكن موجودة من قبل. ويعد النساء أول مديرات المجتمعات، لأنهن كن يحددن وقت حصاد المحاصيل، ومواسم رعاية الحيوانات، وشاركن في جميع القرارات المهمة للحياة الاجتماعية.
لاحقاً، ابتكرت النساء النول (النسيج) وعملت على تحويل القمح إلى دقيق، ولم يكن ذلك مجرد اختراع بسيط، بل كان لغة فنية تنسج فيها النساء رسائل وتاريخاً وأساطيرهن. فكل امرأة كان لها نول مختلف، وكل نقش كان يحمل قصة خاصة. وبهذا الفن لم تقتصر النساء على تلبية احتياجات الحياة اليومية، بل حافظن على الثقافة والتقاليد والهوية الاجتماعية ونقلنها إلى الأجيال القادمة.
في المجتمعات القديمة، كانت تماثيل “الإلهة الأم” المكتشفة، والتي صُورت بشكل امرأة ممتلئة وخصبة وذات أطراف متعددة، دليلًا على أن النساء كن يحترمن كمصدر للحياة والخصوبة والمعرفة. في تلك الحقبة، كان بناء المجتمع قائمًا على المشاركة والمساواة، وليس على السلطة والهيمنة. وكانت النساء يدرن المنزل والحقول والحيوانات، وفي الوقت نفسه كن قادة الدين والثقافة والتربية.
لكن للأسف لم تستمر تلك المرحلة الذهبية طويلاً. مع تطور الحضارات وظهور الممالك والإمبراطوريات، سيطر النظام الأبوي والسلطوي على المجتمع. ومن أكثر المآسي التاريخية أن البشرية، مع تطور التكنولوجيا والثروة المادية، ابتعدت عن فكرة المشاركة والمساواة. فالرجال، وبسبب قوتهم الجسدية وسيطرتهم على السلاح والحرب، بدأوا بتنظيم المجتمع وفق مصالحهم الخاصة.
أول خطوة، في تقييد النساء كانت الحد من حريتهن في الحركة واتخاذ القرار. فالمجتمع الذي كان يعتمد سابقاً على مساهمة النساء وآرائهن، بدأ فجأة يصف المرأة بأنها “كائن ضعيف” يحتاج إلى حماية الرجل. وقوانين حمورابي في بابل، وهي من أقدم القوانين في العالم، قيدت حقوق النساء بشكل كبير، إذ تم تصوير المرأة كملكية للرجل، وسلبت منها حقوق الميراث والتجارة والشهادة.
لقد منح الإسلام في بداياته حقوقاً كثيرة للنساء لم تكن موجودة من قبل، مثل حق الميراث، وحق اختيار الزوج، وحق طلب التعليم، ولكن لاحقًا ومع مرور الزمن تم تقييد الكثير من هذه الحقوق بسبب الأعراف والتقاليد الأبوية. وفي كثير من المجتمعات أصبحت النساء سلعة للبيع والشراء، ولم يكن لهن أي صوت في القرارات الاجتماعية، بل اعتبرن وسيلة للإنجاب وخدمة الرجل.
الأنظمة التعليمية والدينية والقانونية عملت جميعها على تقديم المرأة بصورة كائن ضعيف يحتاج إلى السيطرة. حتى الفيلسوف أرسطو قال إن “المرأة رجل غير مكتمل”، وظلت هذه الفكرة مسيطرة على الفكر الغربي لقرون طويلة. وهكذا، المرأة التي كانت يومًا ما رائدة في الابتكار والإدارة أصبحت صامتة ومهمشة.
من أجل أن تستعيد المرأة دورها الريادي في المجتمع، هناك عدة خطوات ضرورية: أولها التعليم، ليس مجرد تعلم القراءة والكتابة، بل تغيير البنية الثقافية والفكرية من الجذور. يجب أن تتعلم الفتيات منذ الطفولة أن لديهن القدرة على فعل كل شيء، وأن يتعلم الأولاد أن المرأة شريكة وليست خادمة أو أداة.
ثانياً، يجب تغيير القوانين بشكل جذري لضمان حقوق المرأة في جميع مجالات الحياة، مثل العمل، والأجر المتساوي، والمشاركة السياسية، والميراث، والملكية، والحماية من العنف الأسري والمجتمعي.
ثالثاً، يجب تنظيم الاقتصاد بطريقة تسمح للنساء بالاستقلال، من خلال توفير فرص العمل، ودعم رائدات الأعمال، وتقديم القروض الصغيرة، وإجازات الأمومة المدفوعة.
رابعاً يلعب الإعلام والثقافة دوراً حاسماً في تغير صورة المرأة في المجتمع، من خلال تقديم نماذج لنساء رائدات ومبدعات، وتغير الصور النمطية في الأفلام والمناهج.
خامساً، يجب أن تتوحد النساء وتنظم أنفسهن، لأن التعاون أقوى من التنافس.
سادساً، يجب إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والأسرية على أساس المساواة والحرية وليس الهيمنة.
سابعاً، يجب أن يشارك الرجال في هذا التغيير، لأن القضية ليست قضية النساء فقط بل قضية المجتمع كله. فلا يمكن تحرير المجتمع من دون تحرر الرجل من ذهنيته السلطوية، لذلك تحرر المرأة يمر تحرر الرجل من ثقافته الذكورية، حينها فقط يمكننا التحدث عن مجتمع حر.
لقد كان دور النساء في تاريخ البشرية دوراً مهماً لكنه مهمل ومهمش. ومع ذلك، فإن التاريخ يعيد نفسه، والنساء سيعدن مرة أخرى إلى موقع القيادة.
لا يزال في كثير من بلدان العالم النساء يعشن في شكل جديد من العبودية، محرومات من حرية الحركة والتعليم واختيار الزوج. ولكي تستعيد المرأة دورها، يجب أن يعمل الجميع معًا، رجالًا ونساءً، من خلال تغيير التعليم والقوانين والاقتصاد والثقافة والإعلام.
هذا التغير يحتاج إلى تفكير جذري في مفاهيم السلطة والتاريخ والثقافة والإنسانية. ويجب أن نعيد قراءة التاريخ بعين نقدية، وندرك أن النظام الأبوي لم يكن نظاماً طبيعياً، بل بناء بشري لخدمة مصالح معينة، ويمكن تغييره.
كالنجم الصامت في عمق البحر الذي لا يُرى لكنه قوي، كانت النساء دائمًا موجودات في التاريخ، لكن أصواتهن حبست بين ثنايا الزمن. وقد حان الوقت لرفع هذه الأصوات من جديد، وإعادة إشراق دور النساء، وإيصال المجتمع نحو النور والسلام والتقدم عبر ريادتهن.
فدور النساء ليس مجرد تاريخ، بل هو مستقبل يمكن بناؤه معاً. المجتمع الذي لا يُبنى على المساواة والحرية والاحترام للمرأة هو مجتمع غير قادر على مواجهة الظلم، لأن تحرير المرأة هو تحرير المجتمع كله. وعندما تكون المرأة حرة يصبح المجتمع كله حراً، وعندما تقود المرأة يتجه المجتمع نحو النور، هذا هو الفجر الجديد الذي يلوح في الأفق إذا كنا مستعدين للسير في الطريق.


