• Home  
  • عندما يخذلك الأصدقاء
- فكر ودراسات

عندما يخذلك الأصدقاء

بقلم: بسام البديري أقسى الخيبات ليست تلك التي تأتي من أعدائك. فالعدو حين يؤذيك، لا يفعل أكثر من تأكيد ما كنت تعرفه عنه. أما الصديق حين يخذلك، فإنه يهدم شيئًا كنت قد بنيته في داخلك اسمه الأمان. لهذا لا يكون وجع الخذلان في الموقف نفسه، بل في السؤال الذي يأتي بعده.. (كيف لم أعرفه طوال […]

بقلم: بسام البديري

أقسى الخيبات ليست تلك التي تأتي من أعدائك. فالعدو حين يؤذيك، لا يفعل أكثر من تأكيد ما كنت تعرفه عنه. أما الصديق حين يخذلك، فإنه يهدم شيئًا كنت قد بنيته في داخلك اسمه الأمان. لهذا لا يكون وجع الخذلان في الموقف نفسه، بل في السؤال الذي يأتي بعده..

(كيف لم أعرفه طوال كل هذه السنوات؟)

ربما لأننا لا نرى أصدقاءنا كما هم، بل كما نحب أن يكونوا. نمنحهم أعذارًا كثيرة، ونغض الطرف عن تفاصيل صغيرة، ونقول لأنفسنا:

«هو صديقي، لا يمكن أن يفعل ذلك.»

ثم يأتي يوم واحد، موقف واحد، كلمة واحدة، فنكتشف أن كل تلك الأعذار كانت جدارًا بنيناه بأيدينا كي لا نرى الحقيقة. المؤلم في الخذلان أن الشخص الذي كنت تظنه ملجأً، يصبح هو نفسه سببًا في حاجتك إلى ملجأ.

كنت تخبره بأسرارك لأنك وثقت به. كنت تحدثه عن ضعفك لأنك ظننته لن يستخدمه ضدك. كنت تفتح له أبواب حياتك دون أن تفكر في إغلاقها. ثم تكتشف متأخرًا أن بعض الناس لا يحفظون ما تمنحهم إياه من ثقة، بل يحتفظون به إلى اليوم الذي يحتاجون فيه إلى استخدامه ضدك.

وهنا لا تخسر صديقًا فقط. بل تخسر نسخةً من نفسك كانت تؤمن بأن الوفاء ما زال موجودًا. لكن هل كل خذلان يعني أن الصداقة كانت كذبة؟ ليس بالضرورة. فبعض الناس يخذلوننا لأنهم ضعفاء، وبعضهم لأن مصالحهم تغيرت، وبعضهم لأنهم لم يكونوا أوفياء منذ البداية. والفرق بين هذه الحالات لا يغير النتيجة كثيرًا:

أنت الذي تتألم في النهاية. وربما لهذا يصبح الإنسان بعد الخذلان أكثر صمتًا. لا لأنه لم يعد يريد الأصدقاء، بل لأنه لم يعد يريد أن يدفع ثمن الثقة مرتين.

يبدأ في مراقبة الكلمات. يحسب المسافات. يتأخر في كشف أسراره. يفكر طويلًا قبل أن يقول: «أنت صديقي.»

ليس لأنه أصبح قاسيًا، بل لأنه تعلم أن بعض الكلمات حين تمنحها لمن لا يستحقها، تعود إليك على هيئة جرح. لكن هناك خطأ آخر نرتكبه بعد الخذلان:

(أن نعاقب الأشخاص الجدد على أخطاء الأشخاص القدامى.)

نغلق أبوابنا تمامًا، ثم نقول:

«لم يعد في هذا العالم صديق حقيقي.»

وربما يكون هذا أكثر ظلمًا لأنفسنا. فالخذلان لا يعني أن الجميع سيخذلونك. إنه يعني فقط أنك قابلت شخصًا لم يكن قادرًا على حمل المكانة التي منحتها له. لذلك لا تجعل خيانة شخص واحد تعريفًا للبشر جميعًا. ولا تجعل صديقًا غادر حياتك سببًا في أن تغادر أنت الحياة من حولك. تعلم فقط.

تعلم أن المحبة لا تعني إلغاء الحذر. وأن الوفاء لا يعني أن تسمح للآخرين باستنزافك. وأن التسامح لا يعني إعادة الشخص إلى المكان نفسه. يمكنك أن تسامح شخصًا… دون أن تعيد إليه مفتاح الباب. وهذه ليست قسوة. هذه خبرة.

فبعض الأشخاص يستحقون أن تسامحهم من أجل راحة قلبك، لكنهم لا يستحقون أن تمنحهم فرصة أخرى كي يكسروا قلبك بالطريقة نفسها.

وفي النهاية، ربما لا يكون الخذلان نهاية الصداقة فقط. أحيانًا يكون بداية معرفة الإنسان لنفسه. فبعد أن يرحل الذين ظننت أنهم سيبقون، تبدأ في اكتشاف أنك كنت تمنح الآخرين أكثر مما تمنح نفسك.

كنت تخاف أن تخسرهم، حتى نسيت أن تسأل:

(ماذا خسرتُ أنا وأنا أحاول الاحتفاظ بهم؟)

وهنا يبدأ النضج. أن تعرف أن الصديق الحقيقي لا يحتاج إلى أن تقنعه بصدقك كل يوم. وأن من يريد البقاء سيجد طريقًا للبقاء. ومن يريد الرحيل، لن تمنعه ألف كلمة. لذلك لا تركض خلف من اختار أن يتركك. بعض الأبواب حين تُغلق خلفك، لا تكون خسارة…

بل نجاةً لم تفهمها في وقتها

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026