• Home  
  • حين يصبح المنصب رخصة لانتهاك الإنسان
- فكر ودراسات

حين يصبح المنصب رخصة لانتهاك الإنسان

فرحة الدلفي هناك فساد لا يظهر في دفاتر الدولة، ولا يُقاس بالأموال المسروقة، ولا تكتشفه لجان التفتيش. هناك فساد أكثر خفاءً، لأنه يحدث في المسافة بين إنسان يملك السلطة وإنسان لا يملكها. يبدأ الأمر أحيانًا بنظرة، ثم كلمة، ثم تلميح، ثم طلب مغلف بالصمت. وحين يدرك صاحب السلطة أن الطرف الآخر يخاف من الاعتراض، يتحول […]

فرحة الدلفي

هناك فساد لا يظهر في دفاتر الدولة، ولا يُقاس بالأموال المسروقة، ولا تكتشفه لجان التفتيش. هناك فساد أكثر خفاءً، لأنه يحدث في المسافة بين إنسان يملك السلطة وإنسان لا يملكها. يبدأ الأمر أحيانًا بنظرة، ثم كلمة، ثم تلميح، ثم طلب مغلف بالصمت. وحين يدرك صاحب السلطة أن الطرف الآخر يخاف من الاعتراض، يتحول المنصب من مسؤولية إلى وسيلة ضغط.

هنا لا تعود القضية مجرد تحرش. تصبح القضية انتهاكًا لمعنى السلطة نفسها. حين يتحرش ضابط بامرأة تقع تحت سلطته، فالمشكلة ليست في انحراف سلوك فرد واحد فقط؛ المشكلة أن الإنسان الذي يفترض أن يكون جزءًا من منظومة الحماية استعمل موقعه ليصنع خوفًا جديدًا.

وحين يستغل أستاذ جامعي حاجته العلمية أو الأكاديمية للضغط على طالبة، فإنه لا يسيء إليها وحدها، بل يلوث معنى العلم الذي يفترض أن يكون فضاءً للمعرفة والكرامة. وحين يستعمل مدير حاجتها إلى الوظيفة ليبتز موظفة، يصبح الراتب الذي يفترض أن يكون حقًا مقابل العمل أداةً للتهديد.

وهنا يجب أن نتوقف_ لأن أخطر ما في هذه الممارسات، هو اختلال ميزان القوة الذي يجعل الضحية تفكر ألف مرة قبل أن تتكلم…

ماذا لو خسرت عملي؟

ماذا لو رسبت؟

ماذا لو لم يصدقني أحد؟

ماذا لو استُعمل المنصب ضدي؟

ماذا سيقول الناس؟

وهكذا يصبح الخوف شريكًا صامتًا في الجريمة.

فتصمت المرأة، لا لأنها قبلت، وإنما أنها تعرف أن المعركة ليست متكافئة. وهذا هو الجزء الذي يجب أن نفهمه جيدًا:

الصمت ليس دائمًا رضا. أحيانًا يكون شكلًا من أشكال النجاة.

مجتمعنا بحاجة إلى أن يتوقف عن سؤال المرأة: لماذا لم تتكلمي؟ وأن يبدأ بسؤال صاحب السلطة: لماذا ظننت أن خوفها يمنحك الحق؟ لا يمكن بناء مؤسسة محترمة بعقول ترى المنصب امتيازًا شخصيًا. المنصب ليس ملكًا لصاحبه. الكرسي ليس سلطة على كرامة الآخرين. الرتبة لا تمنح صاحبها حقًا في جسد إنسان.

والشهادة الأكاديمية لا تمنح الأستاذ حقًا في استغلال طالبة. والإدارة لا تمنح المدير حق ابتزاز موظفة. كل سلطة في العالم يفترض أن تكون محكومة بشيء أعلى منها: “الأخلاق”. فإذا سقطت الأخلاق، أصبح القانون وحده عاجزًا عن صناعة إنسان نزيه؛ لأن القانون قد يمنع اليد من الجريمة، لكنه لا يستطيع وحده أن يزرع الضمير في الرأس. ولهذا فإن الحديث عن التحرش داخل المؤسسات يجب ألا يتحول إلى فضيحة عابرة في مواقع التواصل الاجتماعي، ثم ننسى القضية بعد أيام.

نحن بحاجة إلى ثقافة مؤسسية تقول بوضوح إن استغلال السلطة ليس «تصرفًا شخصيًا»، وإن التحرش ليس مزحة ثقيلة، وإن الابتزاز ليس علاقة عاطفية، وإن الصمت الذي ينتج عن الخوف ليس موافقة. نحتاج إلى آليات شكوى آمنة، وتحقيقات مستقلة، وحماية حقيقية للمبلّغين، ومحاسبة لا تتأثر بالمنصب أو الاسم أو النفوذ.

والأهم من كل ذلك: نحتاج إلى تربية أخلاقية تبدأ قبل أن يصل الإنسان إلى الكرسي. لأن المشكلة لا تبدأ عندما يجلس خلف المكتب. تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يتعلم أن القوة تعني أن يأخذ، لا أن يحمي.  العراق؛ يحتاج إلى إنسان يشعر بالخجل من إساءة استعمال موقعه حتى عندما لا يراه أحد. نحتاج إلى أن يصبح الضمير جزءًا من الوظيفة، كما أن الاختصاص جزء منها. فالطبيب الذي لا يحترم مريضه ليس طبيبًا كامل المعنى. الأستاذ الذي يستغل طالبته يهدم شيئًا من معنى التعليم. والضابط الذي يستغل امرأة ضعيفة يهدم شيئًا من معنى الأمن. والمدير الذي يبتز موظفة يهدم شيئًا من معنى العمل. لأن المؤسسات في النهاية ليست جدرانًا ومكاتب وأختامًا.

المؤسسة أخلاق، الأشخاص الذين يعملون فيها. وحين يصبح المنصب رخصة لانتهاك الإنسان، لا يكون الخلل في الكرسي وحده، بل في الإنسان الذي جلس عليه ولم يفهم أن السلطة ليست امتلاكًا للآخرين، وإنما امتحان يومي للضمير.

وربما آن الأوان أن نعيد تعريف القوة. القوي ليس من يستطيع أن يخيف امرأة لأنه يملك منصبًا. القوي هو من يستطيع أن يملك هذه السلطة كلها، ثم لا يستخدم منها شيئًا إلا في مكانها الصحيح. أن تكون قادرًا على الأذى، ثم تختار ألا تؤذي، تلك أخلاق. أما أن تستعمل ضعف الآخرين لتشبع رغبة أو تحقق ابتزازًا، فذلك ليس قوة. ذلك هو سقوط الإنسان أمام السلطة التي مُنحت له.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026