• Home  
  • ذاكرة العراق بين التوثيق والاستثمار.. حين يبدأ التسميم
- فكر ودراسات

ذاكرة العراق بين التوثيق والاستثمار.. حين يبدأ التسميم

د. سعد معن في المجتمعات التي شهدت اضطرابات وكان تاريخها القديم والمعاصر مليء بالأحداث كالحروب وويلاتها وما ينتج عنها، لا ينتهي أثر هذه الاضطرابات بانتهاء الأحداث والحروب نفسها. فبعض الأحداث تغادر حياتنا إلا انها لا تغادر ذاكرتنا، وتظل قابلة للاستدعاء والتحضير كلما اقتضت مصالح المغرضين الضيقة. لذلك وأحياناً لا تحتاج هذه الأحداث إلى مناسبة كي […]

د. سعد معن

في المجتمعات التي شهدت اضطرابات وكان تاريخها القديم والمعاصر مليء بالأحداث كالحروب وويلاتها وما ينتج عنها، لا ينتهي أثر هذه الاضطرابات بانتهاء الأحداث والحروب نفسها. فبعض الأحداث تغادر حياتنا إلا انها لا تغادر ذاكرتنا، وتظل قابلة للاستدعاء والتحضير كلما اقتضت مصالح المغرضين الضيقة. لذلك وأحياناً لا تحتاج هذه الأحداث إلى مناسبة كي تستعاد بكل ما تحمله من صورة مظلمة.

من هنا يمكن فهم ظاهرة يمكن تسميتها (تسميم الذاكرة)، وهي ليست اختراع أحداث لم تقع بقدر ما هي حرص في نفوس البعض على إبقائها حية، من خلال تكرارها وإعادة إنتاجها خارج سياقها، فيصبح الماضي معياراً دائماً للحكم على الحاضر.

فالحدث الذي له زمانه ومكانه وأسبابه وأطرافه، يتحول مع كثرة تكراره وإعادة تدويره إلى صورة ثابتة. والصورة بدورها قد تتحول حَكَم عام، يَطال مدينة أو جماعة أو طائفة أو مكوناً اجتماعياً بأكمله.

ولعل التجربة العراقية تقدم أمثلة كثيرة من تاريخنا المعاصر إبان الحرب على الإرهاب. وليس المقصود بتسميم الذاكرة هنا، أن نتوقف عن تذكر جرائم الإرهاب أو أن نخفف من فداحة ما جرى في المدن والمناطق التي دفعت أثمانًا باهظة من دمائها وأمنها. فالجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم وتوثيقها وتذكير الأجيال بها جزء من إنصاف الضحايا وحماية الحقيقة من النسيان.

لكن الذاكرة شيء، وطريقة استثمارها شيء آخر. إذ يمكن للحدث نفسه أن يبقى شاهدًا على الجريمة أو يتحول مع كثرة الاستدعاء إلى مادة لإعادة إنتاج الخوف والانقسام بعد سنوات من انتهاء ظروفه.

وقد شهد بلدنا أمثلة كثيرة على هذه الحالة. إذ ظلت صور التفجيرات ومشاهد المقابر الجماعية والتهجير والدمار، وكذلك صور المدن التي سيطر عليها الإرهاب الأعمى وما ارتكبه فيها من جرائم حاضرة في التداول الإعلامي والاجتماعي، ولا اعتراض على حضور هذه الوقائع في الذاكرة، بل إن غيابها سيكون ظلمًا جديدًا للضحايا.

إنما تكمن المشكلة حين تنتزع الواقعة من سياقها التاريخي ويعاد تقديمها بصورة توحي بأن زمن الجريمة ما زال قائمًا، أو حين تصبح مأساة مدينة أو منطقة عنوانًا ثابتًا، يستدعى كلما أريد تأجيج موقف سياسي أو اجتماعي جديد.

فالذاكرة المسؤولة تحفظ أسماء الضحايا وتدين الجناة وتوثق الجريمة، لكنها لا تسمح للجريمة بأن تتحول إلى عدسة دائمة يرى العراقي من خلالها عراقيًا آخر. أما الذاكرة التي تُبقي الجريمة حاضرة بوصفها مادة للخصومة المستمرة، فهي لا تحمي الحقيقة بقدر ما تمنح الماضي قدرة على التأثير في الحاضر.

وهنا تكمن خطورة تسميم الذاكرة … ليس في أن نتذكر ما حدث، وإنما في أن تختزل سنوات كاملة من تاريخ العراق في صور الجريمة وحدها، وأن يبقى الحدث حيًا في الوعي لا بوصفه صفحة مؤلمة من الماضي، بل بوصفه موقفًا دائمًا من الحاضر. عندها تتحول الذاكرة من سجل للضحايا إلى وقود للانقسام، ويصبح استحضار المأساة وسيلة لإعادة إنتاجها معنويًا حتى بعد أن تتوقف أحداثها على الأرض.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026