
لمى النقاش
تبدأ أغنية «تجاهلني» من حيث تنتهي كثير من أغنيات الحب: بعد أن يعرف المحبّ الحقيقة، وقبل أن يسمع الاعتراف بها، لا يسأل الطرف الآخر إن كان يحبّه؛ إنه يراه يتعمّد البرود، ثم يتحدّاه أن يواصل التمثيل. من هذه المفارقة صنع يحيى العلّاق نصاً يقوم على القوة والمكابرة، ومنحه كاظم الساهر في غنائه ولحنه حضوراً واثقاً يزيد المواجهة حدّة.
الأغنية من كلمات العلّاق، وألحان الساهر وغنائه، وتوزيع محب الراوي، وصدرت ضمن ألبوم «بلا عنوان» الذي يضم 18 أغنية من ضمنها هذه الأغنية.
في القصيدة الأصلية، تبدو لعبة التجاهل أوسع من النص المغنّى، هناك التفاتةٌ إلى جهة أخرى حين يحضر المحبّ، وحديثٌ مع الآخرين يثير غيرته، ومشاعر تتزاحم فيها المكابرة والخجل والشوق:
من أكعد اكبالك تلتفت ليغاد
مو يم القضية وانته رب اليم
أسولف ويه غيرك أحس بيك اتموت
فص عينك طلع ما أعرف اشدردم
يلتقط العلّاق هذه التفاصيل ليقول إن التجاهل قد يكون أبلغ أشكال الانشغال بمن نحاول تجاهله.
المتكلّم في الأغنية ليس بمنأى عن هذه اللعبة، يتحدّى ويعلن أنه يحبّ الصعب، ويواجه قسوة الحبيب بثقة تكاد تكون استفزازاً، لكن إلحاحه على الاعتراف يكشف أن المكابرة أتعبته هو أيضاً، يعرف ما تقوله النظرات، ومع ذلك يريد أن يسمعه بالكلمات:
بس نظراتك تخونك …غرامك واضح بلونك عنيد وقسوة لسانك … عكس ما قالت عيونك
هنا لا تكون القوة غيابًا للحاجة، بل قدرةً على التصريح بها من دون التخلّي عن الكبرياء.
ويأتي أداء الساهر ليحفظ هذا التوتر، فالأمر المتكرر بالتجاهل يبدو مرةً سخريةً من حبيب انفضح، ومرة محاولة أخيرة لدفعه إلى الكلام. لا يحسم الصوت المواجهة سريعاً؛ يترك مساحةً للعناد والرغبة، حتى تبلغ الأغنية طلبها المباشر: «دفضها وقول أحبك».
هذا ما يجمع العلّاق والساهر في «تجاهلني»: شاعرٌ كتب عن الحبّ بوصفه تحدّياً بين شخصين يعرف كلٌّ منهما موضع ضعف الآخر، ومطربٌ غنّى ذلك التحدّي بقوة من دون أن ينكسر، وإن كان ينتظر الاعتراف، فالتجاهل هنا لا يُخفي الحبّ؛ إنه يطيل الطريق إلى قوله.


