
حوراء الكناني
في كل مدينة، هناك أناسٌ يمشون في الشوارع بوجوهٍ يعرفها الجميع، لكن لا أحد يعرف الحكاية التي تسكن خلفها.
يمرّون بين البيوت والطرقات، يحيّون هذا، ويبتسمون لذاك، يؤدّون الأدوار التي تعلّموها منذ الصغر، ثم يعودون إلى غرفهم في آخر النهار، ليخلعوا عن أرواحهم ثيابًا لم تكن تشبههم. ربما لا تكون المشكلة دائمًا في أن نحلم، بل في أن نجد مكانًا يتّسع لأحلامنا.
هناك مدنٌ تحفظ أسماء شوارعها، لكنها لا تحفظ أسماء الذين حاولوا أن يكونوا مختلفين. تحفظ عناوين البيوت، لكنها لا تعرف ما الذي يحدث خلف الأبواب المغلقة. تعرف كيف يجب أن يبدو الإنسان أمام الآخرين، لكنها نادرًا ما تسأل: ماذا يريد أن يكون في الحقيقة؟
منذ طفولتنا، تُرسم لنا صورة جاهزة للحياة. هذا هو الطريق الذي ينبغي أن تسلكه، وهذا هو الحلم الذي يليق بك، وهذه هي الكلمات التي يمكنك قولها، وهذه هي الأشياء التي يجب أن تحبها، وتلك التي عليك أن تخفيها. ومع الوقت، نتعلم أن نرتدي صورًا لا تشبهنا.
نبتسم حين لا نريد الابتسام، نصمت حين يكون في داخلنا الكثير من الكلام، ونختار أحيانًا ما يرضي الآخرين بدلًا مما يشبهنا. ليس لأننا لا نعرف أنفسنا، بل لأننا نخاف أن نُظهرها. فالاختلاف في بعض المجتمعات لا يُقابل بالسؤال، بل بالحكم. وحين يحاول شخص أن يخرج قليلًا عن الصف، تبدأ الأسئلة:
لماذا اخترت هذا الطريق؟
لماذا لا تكون مثل الآخرين؟
ماذا سيقول الناس؟
وكأن «الناس» مدينةٌ كاملة تسكن داخل رؤوسنا، تراقب خطواتنا حتى حين لا يراقبنا أحد. وهكذا، يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه دون أن يغادر مدينته. قد ينجح في أن يكون الابن الذي أرادته العائلة، والصديق الذي يرضي أصدقاءه، والشخص الذي لا يسبب المتاعب لأحد، لكنه في لحظة صمت يسأل نفسه:
ومتى سأكون أنا؟
ذلك السؤال البسيط قد يكون أصعب الأسئلة. لأن اكتشاف الذات لا يحدث دائمًا وسط التصفيق، بل يحدث أحيانًا في أكثر اللحظات وحدة. حين ندرك أن السنوات التي قضيناها في محاولة إرضاء الجميع لم تمنحنا بالضرورة حياةً تشبهنا. ليس التمرد أن تكره مجتمعك، وليس الاختلاف أن تدير ظهرك لمن حولك. أن تكون نفسك لا يعني أن تؤذي الآخرين، بل يعني ألا تؤذي روحك كي تحصل على قبولهم.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مدينةٍ تصفق لأحلامه، لكنه يحتاج إلى مساحة يستطيع فيها أن يحلم دون أن يشعر بالخجل. وربما كانت أعظم معارك الإنسان ليست مع العالم، وإنما مع الصوت الذي زرعه العالم داخله؛ ذلك الصوت الذي يقول له كل يوم:
كن مثلهم.
بينما هناك صوتٌ صغير في أعماقه يهمس:
كن أنت
وقد لا نفوز بهذه المعركة من المرة الأولى.
سنخاف، ونتردد، ونتراجع، وربما نعود أحيانًا إلى القوالب التي اعتدناها. لكن كل مرة نختار فيها أن نكون صادقين مع أنفسنا، فإننا نستعيد جزءًا من حياتنا. لأن العمر ليس عدد السنوات التي مرّت، بل عدد اللحظات التي عشناها ونحن نشعر أننا ننتمي إلى أنفسنا.
وفي النهاية، ربما لا نستطيع أن نغيّر المدينة التي ولدنا فيها، ولا أن نطلب من الجميع أن يفهموا أحلامنا. لكننا نستطيع أن نحمي الحلم من أن يتحول إلى رماد.
نستطيع أن نعيش دون أن نؤذي أحدًا، وأن نختلف دون أن نكره، وأن نحلم دون أن نعتذر عن أحلامنا. فبعض المدن لا تعرف أحلامنا منذ البداية. لكن هذا لا يعني أن أحلامنا خاطئة. ربما كانت المدينة فقط بحاجة إلى وقتٍ أطول كي تتعلم أن الإنسان لا يُقاس بالصورة التي رسمها الآخرون له، بل بالشخص الذي اختار أن يكونه حين أُغلقت الأبواب ولم يبقَ حوله أحد.


