إبراهيم يوسف
لماذا تختلف فلسفة العقاب في قضايا الفساد…؟
يشهد العراق اليوم حملة لمكافحة الفساد المالي والإداري، بعثت أملاً حقيقياً لدى الشعب في استعادة مؤسسات الدولة من أيادي المتنفذين الفاسدين.
لكن هذا الأمل اصطدم بواقع مؤلم: أحكام قضائية تصدر بحق مدانين كبار، لكنها ترفق بعبارة “مع وقف التنفيذ”، فتبدو وكأنها عقاب بلا عقاب. وفي المقابل، تتخذ الصين مساراً مختلفاً جذرياً، حتى في أحكامها المخففة، حيث يصدر القضاء أحكاماً بـ”الإعدام مع وقف التنفيذ” بحق وزراء دفاع سابقين بتهم فساد. هذا التباين الحاد يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الفرق في القوانين، أم في الفلسفة التي تحكم تطبيقها…؟
وقف التنفيذ في العراق: رحمة قانونية أم ثغرة للإفلات…؟
ينظم قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 نظام “إيقاف تنفيذ العقوبة” في المواد من 144 إلى 149، بوصفه وسيلة تهدف إلى تحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع في العقاب ومصلحة الفرد في الإصلاح. ويقضي النظام بأن تصدر المحكمة حكماً بالإدانة مع فرض العقوبة، لكنها تعلق تنفيذها لمدة اختبار تبلغ ثلاث سنوات، فإذا التزم المحكوم عليه بحسن السلوك ولم يرتكب جريمة جديدة، أُعفي من تنفيذ العقوبة وكأنها لم تكن.
ووضع المشرع العراقي شروطاً محددة لتطبيق هذا النظام، من أهمها أن تكون العقوبة المحكوم بها الحبس لمدة لا تزيد على سنة أو الغرامة، وأن تقتنع المحكمة من خلال دراسة شخصية المحكوم عليه وظروفه بأنه لن يعود إلى ارتكاب الجريمة مستقبلاً. كما ألزم القانون المحكمة ببيان الأسباب التي استندت إليها في تقرير وقف التنفيذ، وهو ما يعكس خضوع هذا النظام لرقابة قضائية دقيقة.
لكن التطبيق العملي لهذا النظام في قضايا الفساد أثار جدلاً واسعاً. ففي سبتمبر 2026، أصدر القضاء العراقي حكماً بحق جمال الكربولي بالحبس سنة مع وقف التنفيذ، مع إلزامه بدفع 4.5 مليون دولار، وجاء القرار “مع مراعاة كبر سنه”. وبينما يرى مؤيدو هذا المسار أنه يسرع إعادة الأموال إلى خزينة الدولة ويجنّب المؤسسات العقابية الآثار السلبية للعقوبات قصيرة المدة، يحذر منتقدوه من أن يتحول إلى رسالة خاطئة مفادها أن الفساد يمكن أن يكون “مغامرة مربحة”، فإذا انكشف الفاسد أعاد جزءاً من الأموال وخرج بأقل الخسائر.
الصين: “الإعدام مع وقف التنفيذ” حين يكون العقاب رسالة لا رحمة.
في الصين، يختلف المشهد تماماً. فحتى عندما تخفف المحاكم أحكامها، تبقى العقوبة ثقيلة بما يكفي لتحقيق الردع. ففي مايو 2026، أصدرت محكمة عسكرية صينية حكماً بالإعدام مع وقف التنفيذ لمدة عامين بحق وزيري الدفاع السابقين وي فنغ خه ولي شانغ فو بتهم فساد. وفي الصين، إذا لم يرتكب المحكوم عليه جرائم جديدة خلال فترة وقف التنفيذ (سنتان في هذه الحالة)، يخفف الحكم عادة إلى السجن المؤبد.
الفرق هنا ليس في وجود نظام “وقف التنفيذ” من عدمه، بل في طبيعة الجريمة التي يطبق عليها. ففي الصين، “وقف التنفيذ” لا يعني الإفراج أو التسامح، بل يعني تأجيل التنفيذ مع بقاء العقوبة معلقة فوق رأس المحكوم عليه، وفي حالة الإخلال بالشروط، يُنفذ الحكم الأصلي. لكن الأهم أن الصين لا تطبق هذا الإجراء على جرائم الفساد الكبرى، بل تصدر أحكاما مشددة تصل إلى الإعدام، وتجعل “وقف التنفيذ” مجرد مرحلة انتقالية نحو السجن المؤبد، لا نحو الحرية.
وتستند التجربة الصينية إلى فلسفة تقوم على يقين واحد: “من يعتدي على المال العام سيدفع الثمن”، فلا حصانة لفاسد، ولا نفوذ يحمي مسؤولاً، ولا تسويات تنقذ من تثبت إدانته. وقد تجسد ذلك في أرقام صارخة: في عام 2025 وحده، تم التحقيق مع 115 مسؤولاً على مستوى المقاطعات والوزارات أو أعلى، وحكم على 69 منهم بعقوبات تأديبية. كما تمت معاقبة 536 ألف مسؤول من ذوي الرتب الدنيا، وأحيل 20 ألف منهم إلى القضاء.
الفرق الجوهري: القانون أم الفلسفة…؟
المفارقة أن القانون العراقي نفسه لا يمنع تطبيق عقوبات مشددة على جرائم الفساد الكبرى. فالمادة 453 من قانون العقوبات العراقي، التي استند إليها الحكم على الكربولي، تنص على عقوبات قد تصل إلى السجن لمدد طويلة. لكن المشكلة تكمن في التطبيق والفلسفة التي تحكمه. ففي العراق، يبدو أن هناك ميلاً نحو التسويات والتخفيفات، حيث تتيح القوانين النافذة في بعض القضايا مبدأ التسوية الذي يسمح بإعادة الأموال المختلسة مقابل الإعفاء أو تخفيف الإجراءات القانونية.
في الصين، على النقيض، لا توجد تسويات من هذا النوع. حتى عندما يتم تخفيف العقوبة، فإنها تظل عقوبة سالبة للحرية بمعناها الكامل، ولا تتحول إلى إفراج أو إعفاء. والأهم أن الصين استثمرت في بناء منظومة رقابية متكاملة، حيث تم تعديل (قانون الرقابة) في 2024 ليمنح سلطات رقابية صلاحيات أوسع، ويزيل العقبات المؤسسية أمام الملاحقة.
كما بدأت الصين في استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لتحديد المخالفات وتتبع قضايا الفساد بدقة.
في الختام: لابد من الاتجاه نحو فلسفة “حتمية العقاب”
الدرس المستفاد من المقارنة ليس الدعوة إلى استنساخ النموذج الصيني، فلكل دولة نظامها الدستوري والقانوني. لكن ما يمكن استلهامه هو حتمية العقاب، وسرعة حسم القضايا، واستقلال القضاء، وعدم السماح لأي نفوذ سياسي بعرقلة العدالة. فالمشكلة في العراق ليست في نصوص القانون، بل في الإرادة السياسية والقضائية لتطبيقه بحق الجميع دون استثناء. وحتى يتغير هذا الواقع، سيبقى “وقف التنفيذ” في العراق وكأنه يوقف الأمل، بينما في الصين، حتى “وقف التنفيذ” لا يوقف العقاب.



