
حيدر كريم
ليست مشكلة الكتابة في كثرة الكلمات بذاتها، بل في الكلمات التي لا تضيف إلى النص معنى. فحين يتحول السرد إلى استرسال متواصل، وتتراكم التفاصيل دون وظيفة جمالية أو فكرية، يفقد النص قدرته على شدّ القارئ، وتتحول القراءة من تجربة لاكتشاف المعنى إلى عبور شاق بين الصفحات.
إن الإفراط في السرد يكشف، في كثير من الأحيان، عن خلل في الاقتصاد اللغوي؛ فالكاتب الذي لا يميز بين الضروري والزائد يحمّل النص أكثر مما يحتمل. وقد تتحول التفاصيل التي كان يفترض أن تمنح العمل عمقًا إلى عبء يثقل حركته، خصوصًا حين تُكرر الأفكار والمشاعر والمشاهد بصيغ مختلفة دون أن يتغير جوهرها.
ولا تكمن قيمة النص في عدد صفحاته، ولا في قدرته على استهلاك وقت القارئ، وإنما في كثافة المعنى الذي يتركه. فالجملة الأدبية ليست مجرد وعاء للكلمات، بل أداة للكشف والإيحاء. وكلما ازدادت الكلمات التي يمكن حذفها دون أن يتأثر المعنى، ظهر ضعف البناء وافتقار النص إلى الضرورة الفنية.
ومن هنا تأتي أهمية الحوارية بوصفها أحد السبل التي تمنح النص حركة وتعددًا. فالحوار ليس مجرد وسيلة لتبادل الكلام بين الشخصيات، وإنما فضاء تتصارع فيه الرؤى والمواقف. ومن خلاله لا يقدم الكاتب أفكاره بصورة مباشرة، بل يتركها تتشكل أمام القارئ عبر اختلاف الأصوات وتناقض المواقف.
والحوارية الحقيقية لا تعني استبدال السرد بالكلام، لأن الحوار نفسه قد يتحول إلى نوع آخر من الاسترسال إذا افتقد وظيفته. قيمته تنبع من قدرته على الكشف والتوتر وبناء الشخصية وتحريك الفكرة. وحين يؤدي هذه الوظائف، يصبح القارئ طرفًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ لشرح طويل يفرض عليه رؤية واحدة.
إن النقد هنا لا يتوجه إلى السرد بوصفه تقنية أدبية، وإنما إلى السرد الذي يفقد ضرورته. فالسرد الجيد قادر على بناء عالم كامل، وإضاءة التفاصيل، وتعميق التجربة؛ لكن قيمته تتراجع عندما يصبح غايته الوحيدة ملء الصفحات.
ولهذا فإن الكتابة الناضجة تقوم على وعيٍ بما ينبغي قوله وما ينبغي تركه. فالكاتب لا يثبت قدرته بكثرة ما يكتب، وإنما بقدرته على حذف ما لا يخدم النص، واختيار الكلمة التي تؤدي وظيفتها دون فائض
الأدب ليس سباقًا في عدد الكلمات، بل بحثًا عن الكلمة التي لا يمكن الاستغناء عنها. وحين تتراجع الثرثرة أمام الضرورة، لا يصبح النص أقصر فحسب، بل يصبح أعمق؛ لأن المعنى، في أحيان كثيرة، يبدأ حيث تنتهي الكلمات.


