
علي الوائلي
اتكأت على سياج الجسر القديم، تتأمل تلاعب النوارس على شفاه النهر المتلألئ بضياء شمس الصباح الدافئة، تستمع بخليط يؤنس القلوب بين صوت فيروز وذكريات حبيبها الغائب منذ سنة لعمله خارج البلد، علّه يجمع ما يمكن من أموال للظفر بحبيبته والزواج منها. وبينما هي منتظرة ٌعودته بشوق ٍ ولهفة، وإذا بها تتلقى هاتفاً من صديق له يخبرها بإصابته بفايروس كورونا، وإن حالته متأخرة ولا يمكنه حتى الوقوف على ساقيه. لما أخذ منه المرض ليغلق جميع الأبواب بوجهها إلا باب اليأس والنسيان. لكنها طرقت الأول وأهملت الثاني فلا يمكنها نسيان من عشقت واهمال التفكير به. أرسلت الكثير من رسائل الاطمئنان، لكنها لم تحصل على جواب إلا بعد شهر كامل. فكانت رسالة تعزية، من صديقه المقرب يخبرها بوفاته. عاشت الصدمة وخيبة الأمل لفقدها ذلك الحبيب الوسيم وشريك روحها وقلبها، مما فتح المجال لصديقه أن يقترب منها أكثر بحجة مواساتها ورفع الحزن عنها، حتى صارحها بحبه ورغبته بالزواج منها. وافقت على مضض معلنة أمامه أنها تزوجته ليس حباً به، لأنها نذرت نبضات قلبها لحبها الأول فقط، ولا يمكنها أن تعيش قصة حب أخرى، مهما كانت الظروف، وإنما وافقت على الزواج لتسكت أهلها وأقربائها الذين ما انفكوا من لومها على رفض كل من تقدم لها مسبقاً.
انقضت سنتين على زواجهما وهما يعيشان حياة تقليدية روتينية لا تحمل بين طياتها غير المشاكل المادية، وما يجبرها عليه زوجها من الإنفاق عليه وعلى طفلهما، بل أنه أجبرها على أن تأخذ نصيبها من أملاك والدها المتوفي بحياة والدتها، مما أثار الكثير من المشاكل مع أهلها، حتى صارت لا تطيق من حولها ولا تجد من تشكي له همومها غير صورة حبيبها الذي طرق بابها يوماً وهي مندهشة لما رأت.
كيف حصل هذا؟ هل هو حلمٌ أم حقيقة؟ كيف للموتى أن يعودوا للحياة مجدداً؟ قاطعها مبتسماً، ومن قال أني ميت؟ ومن هذا الطفل الجميل؟ صمتت ونطق الدمع ما بداخلها لينفجر بصراخه وبكائه، متهماً إياها بخيانته ونقض العهد معه. حاولت أن تشرح له الأمر، لكنه رفض كل المبررات قبل أن يسمعها. ذهب مسرعاً لشقة صديقه المقرب وثقته ليشكو له ما حصل، ويستفسر عن أمواله وهاتفه النقال، الذي كان قد سلمها له قبل دخوله الحجر الصحي، لكنه تفاجئ بنزلاء جدد في شقته التي استأجرها لهم منذ عامين، ليتضح بعد ذلك أنه قد سرق صديقه بغربته مرتين، بغيابه وحضوره.


