
فرحه الدلفي
في معرض بغداد الدولي للكتاب، حيث يفترض أن تكون الكتب في أمان أكثر من أي مكان آخر، لفت كتابٌ انتباه رئيس الوزراء. كان عنوانه: «لا يمكنني السكوت».
كتاب لليو تولستوي، الكاتب الذي لم يكن يخاف من الاقتراب من الأسئلة الصعبة، ولا من قول ما يعتقده حقًا، حتى عندما يكون الكلام موجعًا للسلطة أو للمجتمع أو للإنسان نفسه.
توقّف رئيس الوزراء أمام الكتاب.
ربما كان المشهد عابرًا بالنسبة للبعض، صورة تُلتقط وتنتهي الحكاية عندها. لكن بالنسبة لي، لم يكن المشهد عابرًا. لأنني ظللت أفكر في عنوان الكتاب أكثر من صورته.
لا يمكنني السكوت.
كم يحتاج العراقي اليوم إلى هذه الجملة؟ نحن بلدٌ تعوّد، بطريقة أو بأخرى، أن يصمت. نسكت عن الخطأ حتى يصبح عاديًا. نسكت عن الفوضى حتى تصبح جزءًا من المشهد. نسكت عن سوء الخدمات، وعن الفساد، وعن إهمال المواطن، وعن أشياء كثيرة نعرف أنها ليست صحيحة، لكننا نتعامل معها وكأنها قدر لا يمكن تغييره.
ثم نصل إلى الكتاب.
حتى الكتاب، الذي يفترض أن يكون مساحة للسؤال والاختلاف والحوار، لا يبدو دائمًا بعيدًا عن الخوف. في المعرض نفسه، جرى سحب ومصادرة كتاب…
قد نختلف مع الكاتب. قد نرفض بعض أفكاره. قد نرى أنه أخطأ في قراءة مرحلة أو شخصية أو ظاهرة. هذا كله طبيعي. بل هذا هو معنى الكتاب أصلًا. أن يضع أمامك فكرة، ثم يترك لك حق أن تقول: لا أتفق.
لكن السؤال الذي يسبق كل ذلك هو:
لماذا نصادر الكتاب بدل أن نحاوره؟
إذا كان في الكتاب ما يخالف القانون، فليكن هناك قانون واضح، وقرار واضح، وجهة واضحة، وسبب واضح. أما أن يُسحب كتاب من رفوف معرض للكتاب، دون أن يعرف القارئ بوضوح ماذا ارتكب الكتاب من «جريمة»؟ فهنا نحن لا نواجه مشكلة كتاب فقط، وإنما نواجه مشكلة أكبر تتعلق بعلاقتنا مع حرية التفكير.
فالكتاب لا يحمل سلاحًا.
لا يهدد أحدًا.
إنه يحمل فكرة.
والفكرة لا تُهزم بالمصادرة.
يمكنك أن تمنع كتابًا من رف، لكنك لا تستطيع أن تمنع السؤال الذي تركه في عقل قارئ قرأه.
وهنا أتذكر عنوان تولستوي مرة أخرى:
لا يمكنني السكوت.
ليس المقصود أن يتحول كل اختلاف إلى صراع، ولا أن يصبح كل كاتب فوق النقد. على العكس. المجتمع الواعي لا يخاف من النقد، ولا يخاف من الكتاب، ولا يخاف حتى من الفكرة التي لا تشبهه. المجتمع الواعي يناقشها.
يقرأها.
يفككها.
يرد عليها بكتاب آخر.
بمقال.
بمحاضرة.
بفكرة أقوى.
أما المصادرة، فهي أسهل الطرق عندما نعجز عن الحوار.
والعراق الذي خرج من حروب وصراعات وانقسامات طويلة، لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخوف من الأفكار. يحتاج إلى مساحة أوسع للكلمة.
نحتاج أن نعلّم أبناءنا أن الاختلاف ليس عداوة، وأن السؤال ليس إساءة، وأن قراءة كتاب لا تعني بالضرورة الإيمان بكل ما فيه. نحتاج أن نربي إنسانًا يستطيع أن يقول:
«أنا أختلف معك، لكنني سأحترم حقك في أن تقول ما تؤمن به ما دام ضمن القانون.»
هذه هي الثقافة التي نحتاجها. وليس غريبًا أن يحدث كل هذا داخل معرض للكتاب.
فالمعرض ليس مجرد مكان تُباع فيه الكتب. إنه صورة مصغرة عن علاقتنا بالمعرفة.
إما أن نقول للناس:
اقرؤوا، اسألوا، ناقشوا، اختلفوا.
أو نقول لهم بطريقة أخرى:
اقرؤوا… ولكن لا تذهبوا بعيدًا في التفكير.
وأنا أعتقد أن العراق لا يستطيع أن يبني مستقبله بالعقل الذي يخاف من السؤال.
نحن بحاجة إلى إنسان عراقي جديد؛ لا يخاف من المعرفة، ولا يخاف من المرأة الواعية، ولا من الشاب الذي يسأل، ولا من الكاتب الذي يختلف، ولا من الكتاب الذي يفتح نافذة في جدار اعتدنا النظر إليه منذ سنوات.
لذلك، حين رأيت عنوان تولستوي:
«لا يمكنني السكوت»
لم أفكر في تولستوي وحده. فكرت في العراق.
في المواطن الذي ينتظر خدمة بسيطة. في الشاب الذي يبحث عن فرصة. في المرأة التي تريد أن تعيش بكرامة. في الطفل الذي يستحق مدرسة أفضل. في الكاتب الذي يريد أن يقول ما يؤمن به. وفي القارئ الذي من حقه أن يفتح كتابًا، ثم يقرر بنفسه إن كان سيؤمن بما قرأ أم سيختلف معه.
ربما آن الأوان أن نفهم أن قوة الدولة ليست في قدرتها على إسكات المختلف، وإنما في قدرتها على حماية حقه في الاختلاف.
وأن هيبة القانون لا تكون حين يصمت الناس خوفًا منه، وإنما حين يثق الناس بأنه عادل وواضح ويُطبّق على الجميع.


