إبراهيم يوسف
في ظل مشهد سياسي داخلي يتسم بعدم وضوح الرؤى واستشراء الفساد المالي والإداري، يبدو السؤال عن كيفية بناء الثقة بين الحكومة العراقية ودول الجوار والمجتمع الدولي معقداً ومتشابكاً. غير أن الإجابة تكمن في مفارقة أساسية: الثقة الخارجية لا تبنى بالخطابات الدبلوماسية وحدها، بل بالسلوك العملي للحكومة تجاه شركائها، وهو سلوك لا يمكن أن يستمر دون إصلاحات داخلية ملموسة. فالحكومة العراقية، بقيادة السيد علي الزيدي، انتهجت استراتيجية مزدوجة: توظيف السياسة الخارجية كأداة لبناء الثقة الإقليمية والدولية، بينما تسعى في الداخل إلى إصلاحات تحد من الفساد وتظهر جدية في مكافحته، رغم أن هذه الإصلاحات ما زالت في بداياتها، وتشهد تلكؤ واضح بسبب ضغوط تمارس عليها من قبل قادة كتل سياسية تخشى شمولها بالمحاسبة.
إن أبرز عوامل تعزيز الثقة هو تبني الحكومة العراقية لسياسة خارجية متوازنة تقوم على النأي بالعراق عن المحاور الإقليمية المتصارعة، وهو خيار استراتيجي أعاد للبلاد جزءاً من استقلالية قرارها السياسي. هذه السياسة ترجمت إلى خطاب وطني غير طائفي، وهو خطاب نادر في منطقة تعاني تداعيات الانقسام والهويات المتصارعة. وقد أسهم هذا التوجه في إعادة ترميم الثقة بالدولة داخليا، وترك صدى إيجابيا خارج الحدود.
الاقتصاد صار محركاً للدبلوماسية العراقية، في تحول من “لغة سياسية تقليدية إلى أفق اقتصادي واعد”. الدبلوماسية الاقتصادية التي رسمتها الحكومة قامت على مبدأ “الدبلوماسية المنتجة”، أي توظيف السياسة الخارجية لتعظيم المنافع الاقتصادية المباشرة. هذا التوجه أتاح للعراق خلق مناخ جاذب للاستثمارات الأجنبية وفتح أسواق جديدة، وتوسيع التعاون الإقليمي بما يسهم في تنويع مصادر الدخل بعيداً عن القطاع النفطي الريعي.
يمثل الفساد المستشري العائق الأكبر أمام التنمية وبناء الثقة الدولية، إذ لا تزال الجهود الحكومية محدودة بسبب غياب الإرادة السياسية الكاملة من جانب الأحزاب. كما أطلقت الحكومة حملة واسعة لمكافحة الفساد بالتعاون مع هيئة النزاهة الاتحادية، أسفرت عن اعتقال مسؤولين كبار وقادة سياسيين وأعضاء في البرلمان. وقد أشاد الاتحاد الأوروبي بهذه الجهود، معتبراً أن “مكافحة الفساد أولوية مشتركة” مع الحكومة العراقية الجديدة.
الثقة الخارجية بالحكومة العراقية تتغذى أيضاً من الشرعية الشعبية التي تحاول الحكومة ترسيخها. فالحكومة تسعى إلى إظهار أن سياستها الخارجية ليست ترفاً دبلوماسياً بل وسيلة مباشرة لتوفير فرص عمل وخدمات للمواطن. هذا الربط بين الخارج والداخل ضروري لأن “نجاح السياسة الخارجية لا يتحقق في فراغ”، بل يتأثر بجملة عوامل داخلية متشابكة.
كما أن ثقل النفوذ الخارجي داخل العراق نفسه، عبر وجود قوى مسلحة مرتبطة بجهات إقليمية، يحد من قدرة الدولة على الالتزام بسياسة متوازنة حتى النهاية. والأزمة الاقتصادية المزمنة تقيّد حرية المناورة، فالعراق يحتاج إلى الاستثمارات لكنه يفتقر إلى بيئة قانونية وإدارية جاذبة، مما يجعل كثيراً من الاتفاقيات حبيسة التوقيع دون تنفيذ. وكما يلخص أحد المحللين: “كيف تنفذ مذكرات التفاهم والعقود ما لم تدر عمولات ورشى على الشركاء السياسيين؟”.
لا يمكن للعراق أن يحظى بثقة دول الجوار والمجتمع الدولي بشكل مستدام ما لم ينجح في القضاء على الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وجعل الولاء للوطن فوق أي اعتبارات أخرى. هذه هي الشروط الحقيقية لبناء ثقة لا تقوم على المجاملات الدبلوماسية، بل على المصالح المشتركة والقدرة على الوفاء بالالتزامات.



