
علي السفير
بينما يعيش العراق ضائقة مالية خانقة نتيجة سنوات طويلة من سوء الإدارة والفساد والهدر، حتى بات تأمين رواتب الموظفين يُقدَّم وكأنه إنجاز استثنائي يُضاف إلى سجل إنجازات هذه الطبقة الحاكمة. نشهد يومياً خروج فئات واسعة من الخريجين وأصحاب المهن الطبية والهندسية وحملة الشهادات وأصحاب العقود، للمطالبة بحقوقهم المشروعة وفرص عمل تحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة والعيش الكريم.
وفي الوقت الذي تتراكم فيه الأزمات، من أزمة البنزين والكهرباء إلى عشرات الأزمات الخدمية والمعيشية الأخرى، يبدو واضحاً أن كثيراً من هذه الأزمات لا يُراد لها أن تنتهي، لأن إدارة الأزمة في ظل منظومة الفساد والمحاصصة أكثر ربحاً من حلها. فاستمرارها يعني استمرار الصفقات والمشاريع والعقود، واستمرار تدفق الأرباح التي تتقاسمها القوى المتنفذة.
وسط كل هذه المعاناة، تعيش الطبقة السياسية في عالم موازٍ، بعيد عن هموم الشارع وآلام الناس. لا يشغلها مستقبل الشباب العاطلين، ولا انهيار الخدمات، ولا الفقر المتزايد، بقدر ما يشغلها البحث عن المزيد من المغانم والمكاسب والضمانات التي تؤمّن ديمومة بقائها في السلطة. والصراعات التي نشهدها اليوم ليست سوى خير دليل على ذلك؛ صراعات على النفوذ والمواقع وتقاسم السلطة، لا على تقديم حلول حقيقية لإنقاذ البلد.
وبدلاً من البحث عن مشاريع اقتصادية حقيقية، أو توفير فرص عمل للشباب، أو إعادة بناء مؤسسات الدولة، يظهر الحديث عن استحداث مناصب جديدة لنواب رئيس الوزراء. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي ستضيفه هذه المناصب إلى دولة مثقلة أصلاً بالترهل الإداري؟ وهل يحتاج العراق إلى المزيد من المناصب والحمايات والمكاتب والمخصصات.
إن استحداث مثل هذه المواقع لا يبدو سوى حلقة جديدة في مسلسل تقاسم النفوذ وإرضاء الزعامات المتخمة بالمناصب والامتيازات، وإعادة إنتاج التوازنات السياسية على حساب المال العام. فكيف لبلد بلغت ديونه الداخلية والخارجية ما يقارب 208 تريليونات دينار أن يضيف أعباء جديدة، فيما تصل كلفة المنصب الواحد، بحسب الأرقام المتداولة، إلى نحو 5 ملايين دولار بين المقر والتجهيزات والحمايات التي قد يصل اعدادهم إلى مئات!!
إن أخطر ما تواجهه البلاد اليوم ليس أزمة البنزين أو الكهرباء أو الرواتب او خرجين وحدها، بل استمرار منظومة ترى في الدولة مصدراً للمغانم، وفي الأزمات فرصة للربح، وفي المواطن رقماً انتخابياً يُستدعى عند الحاجة ثم يُترك وحيداً لمواجهة مصيره.
فإدارة الأزمات أصبحت بالنسبة لهذه القوى أكثر ربحاً من حلها، وإبقاء الدولة ضعيفة أكثر فائدة من بنائها، وبقاء المواطن محتاجاً أكثر نفعاً من أن يكون حراً وقادراً على المطالبة بحقوقه.


